الأربعاء، 12 أبريل 2017

محاولات للتّفسير

أشعر بفراغ غريب، غريب ليس لأنّني لا أفقه كنهه، ولكن ربّما تكون هذه هي المرّة الأولى الّتي أشعر فيها بهذا النوع من الفراغ. أشعر بالغربة، غربة جديدة تختلف عن تلك المتأصّلة في جيناتي. تزعجني، ولكنّي أظنّ أنّها عابرة، وهذا ما يجعلني لا أتوتّر حيالها، ولا أسائل وجودها وأسبابها بالطّريقة الّتي أقوم بها عادة. 

لطالما كانت عندي قناعة ما أؤمن بها، ويدور توتّري الأكبر حولها.. ذلك التوتّر الّذي أنام وأصحو عليه، وأناقش أمره مع كلّ شخص حكيم أقابله-، إلّا أنّني الآن مرتخية بخصوص كلّ شيء، وهذا غريب عليّ. لا أمر يشغلني حدّ التوترّ المرّ ذاك، لا شيء يجعلني أحترق.. لا الجامعة ولا مشاكل النّساء ولا الأحكام الفقهيّة الّتي لا أفهمها، كلّ شيء صار يمكن أن يتوقّف عند حدّ ما، أتركه عنده وأعود إليه وقتما أريد. ما عاد شيء يلازمني، ما عادت تلك الأفكار المزعجة تلازمني، ورغم أنّ ذلك يريحني، إلّا أنّني لا أشعر أنّه صائب تمامًا، ليس لأنّ التّوتّر أمر محمود، ولكن لأنّني أكثر خواءً ممّا ينبغي. صرت أسمح للأشياء أن تعبر دون مقاومة، وأشعر أنّ هنالك خطأ ما. لا أدري إن كانت جدّة الشّعور وغربته عليّ تجعلني أشعر بوجود خطأ، أم أنّ هنالك خطأ ما فعلًا. أحب أن تشغلني فكرة ما، أحبّ أن تستثار طاقتي بفعل فكرة، أن أسمو على حاجاتي الأساسيّة لأجل فكرة، أن لا آكل، أن لا أنام.. صار يندر أن تُسدّ شهيّتي. في العام الماضي وما يسبقه، كنت أعاني من انسداد الشّهيّة بمعدّل ثلاثة أيّام في الأسبوع تقريبًا بسبب التوتّر الفكريّ الّذي كنت أعيشه. أنا لا أرغب أن أعيش التوتّر مرّة أخرى إطلاقًا.. ولكن. أنا أفتقد شيئًا ما. أعلم ذلك، أوقن بذلك.

أشعر أنّه عابر لأنّني أخمّن أنّ هذا الخمول، أو هذه اللامبالاة، أو هذا النّضج الّذي يجعلني أسكن حيال كلّ شيء: مرحلة، المرحلة الّتي يصير كلّ شيء عندها صفرًا، ثمّ يتلوها بناء واندفاع،،

لنفسّر الأمر بطريقة إيجابيّة: كنت مندفعة بشكلّ طفوليّ، أرى العالم من زاوية ضيّقة، أُستثار بسرعة، لا أترك الأشياء تمضي دون أن أتّخذ موقفًا، لا أسمح للحوادث أن تكوّن صورًا كاملة حتّى أحكم عليها، وأنّني الآن..
أدركت أنّ الأمر ليس كذلك، صرت متّسعة أكثر، صار عندي سعة، صار الأفق أرحب، صار لا يتمّ الحكم على الأشياء بالضّرورة ساعة مرورها، صارت الأسئلة تُترك مفتوحة لإيماني بأنّ هناك جواب ما، وأنّه لا ينبغي أن يتجلّى في ذات اللّحظة الّتي يشعّ فيها السّؤال، وأنّه ما زال هناك متّسع من الوقت للإجابة عليها، وأنّ هناك أسئلة مضت قرون وقرون وهي على حالها، مفتوحة، دون جواب حاسم، وأنّ عُمُري ليس يعني شيئًا في عمر العالم حتّى أستطيع أنا أن أجد الإجابات الكاملة لأسئلة البشريّة جمعاء.

أشعر أنّ أمورًا كثيرة كانت تشوّب رأسي وتستهلك طاقتي بطريقة خاطئة، وأنّ جدرانًا كثيرة كانت مبنيّة هنا وهناك بشكل عشوائيّ، وأنّني الآن.. تخلصّت من الشّوائب، واستطعت أن أهدم الجدران، ولكنّي لم أوجد بديلًا بعد، البديل المناسب الّذي يملأ الفراغات، الفراغات الّتي خلّفها غياب تلك الأشياء المزعجة. كنت فيما مضى أفعل الأشياء بطريقة خاطئة، إلّا أنّه كانت هناك أشياء، أمّا الآن، فلا أشياء ولا طرق. تخلّصت من القديم دون أن أوجد بديلًا، والمشكلة هنا هي أنني صرت لا أرتضي أيّ بديل.. معاييري صارت أعلى. كلّ الأشياء الّتي كانت جديرة بالاهتمام ما عادت ولا مثيلاتها جديرات بالاهتمام عندي، صرت أوعى..
 ولكن هذا الفتور لا يعجبني. أريد بديلًا.

هناك بلادة، شيء مقتول، موت صغير، طبقة سوداء شفّافة تحدّ من لياقتي في التْعامل مع الأمور كلّها، وتجعل الوقت يمرّ بطيئًا ثقيلًا. صار وقتي الخاصّ أكثر ثقلًا عليّ. كان جلّ مناي هو أن أجلس وحيدة في المنزل مع كتبي وألواني ولابتوبّي، إلّا أنّ هذا الوقت، وإن كنتُ لا أفرّط فيه حتّى اليوم، ما عاد ممتعًا بالطّريقة الّتي كان عليها. لا أعرف كيف ينبغي أن أفسّر الأمر، ولكنّ هذا التغيّر يزعجني. في كلّ أمر جديد أهمّ بفعله صرت أشعر بحاجتي لوجود رفيق، شخص ما يساعدني على أن أمضي، أن أتّكأ عليه في حال وقعت.. ما عدتُ أثق إن كان بإمكاني أن أمضي في طريق جديد وحدي. لا أعرف إن كان هذا الشعور بشريّ وطبيعيّ، وأنّ المعادلة اختلّت من جهتي بعد رحيل أختي فصارت هذه الحاجة مبرّرة، أم أنّني صرت كائنًا بشريًا أكثر رداءة، أقلّ كثافة. في الأسبوع الماضي، قضيت إحدى أيّامه محفوفة بالحبّ، وبالكثير ممّن أحبّ، وبالأحاديث الّتي أحب.. ذلك النّوع النّادر الصّادق منها. بعد ذلك اليوم، صرت أشعر أنّ الحياة لن تكون ذات معنى دون التّواجد اليوميّ قرب من أحب، من أثق بهم ويثقون بيّ بذات الدّرجة، من لا أخاف أن تختلف أوجههم ما بين يوم وآخر، موقف وآخر.. وأنّني أعيش وحيدة أكثر ممّا ينبغي.

 عندما أكره أنّني ما عدت أشعر أنّني قادرة على المضيّ وحدي في هذا العالم، أتذكّر أن أكمل البشر كان برفقة الصّدّيق في رحلة الهجرة الأهمّ، وأن نبيّ الله موسى سأل الله رفقة أخيه في حمل همّ الدّعوة حتّى يشدّ أزره ويشاركه أمره، وأنّ حياة سيدنا الحبيب -عليه الصّلاة والسّلام- كانت كلّها رفقة وصحبة واجتماعات وجلسات، وأنّ شعوري بالحاجة هذا ليس أمرًا شاذًا جدًّا، وإن كان كذلك بالنّسبة إلى تاريخي العلاقاتيّ، وأنّه ربّما ينبغي أن أكفّ عن مقارنة نفسي بتلك الّتي مضت، لأنّها ليست المعيار الأمثل لكلّ ما ينبغي أن أكونه، وأنّ حياتي الآن أكثر تعقيدًا، وذلك ينبغي أن يوضع الحسبان، وأنّ بعض الموت يلازم الكبر. كلّ مافي الأمر هو أنّني أكره أن يتوقّف عزمي على وجود أحد، وأن يكون هذا الأحد لا معروف بالنسبة إليّ. أريد أن أمضي. أوجد لي الرّفقة المناسبة جدًا في المكان المناسب يا رب!

رغم أنّ هذه التّفسيرات تزيح جزءًا من الهمّ، إلّا أنّ هذا الفراغ الجديد الغريب لا يزال يزعجني. أشعر أنّ محيطي الّذي أكره في الجامعة استطاع أن يتوغّل فيّ بطريقة ما.. أنّ تلك البلادة المنتشرة في الأجواء تمكّنت منّي. صرت لا أكره الجامعة كما كنت أفعل عادة، أكرهها ولكن ليس بذات القدر، ما عاد الدّوام يشكّل فارقًا بالنسبة إليّ، ذهابي سواء بعدم ذهابي، وعدم ذهابي لا يجعلني أشعر بالرّغبة بالاحتفال. كنت أقاوم، صرت لا أفعل، وصار الأمر لا يعنيني من أساسه. ما عاد شيء يعني. ما عاد الأمر كلّه يعني. لا أعرف إن كنت سمَوْتُ على الأمر برمّته، وأنّني استطعت تجاوزه للتّفكير فيما هو أهمّ وأبعد، أم أنّني، ببساطة، صرت أكثر رداءة. مهلًا.. هل أنا أصلًا أفكّر فيما هو أهمّ وأبعد؟ أنا أتوق إلى ما هو أهمّ وأبعد، أعلم ذلك، ولكنّني لا أزال لا أعرف ما هو، ولا كيف سوف يحمله القدر إليّ. أريد ذلك الّذي هو أهمّ وأبعد، أريده بشدّة. أريد معنى، معنى حقيقيًا ينتشلني من حيث أنا، يشكّلني كيفما يتبدّى له، يجعلني عاملته المخلصة. أمتلك الكثير من الطّاقة، واستطعت الحفاظ على الكثير من الأمل، وحاولت جهدي أن أحوّل التّجارب المريرة إلى دروس أتعلّمها في الشيء المهمّ القادم الّذي.. لست. أعرف. ما. هو.


في الواقع، أنا لا أعرف شيئًا، ولستُ متأكّدة من أيّ شيء.
 كلّ ما أتمنّاه هو أنّ هذه المشاعر الغريبة الجديدة تنمّ عن نضج لا عن رداءة. أريد أن أكبر، لا أريد أن أتردّى.



الخميس، 6 أبريل 2017

محاولة لإيجاد معنى، وأشياء أخرى

قضيت ساعة ما قبل النّوم مساء الأمس في محاولة وصف الموضع الّذي أقف منه اليوم من حياتي كما أفعل هنا عادةً، ولكنّني انتهيت، كما انتهيت في المرّتين السّابقتين، إلى كلام مبعثر غير مفهوم، أحاول فيه مرّة أخرى أن أستخلص معنى من وقائع لا أفهم ما الّذي تريد منّي ولا من حصولها بالضّبط. يقلقني العبث، ومحاولاتي الحثيثة هذه لاستخلاص معنى ليست إلّا وسيلة أردت بها أن أهدّئ روع القلق من العبث الّذي يكاد يجعلني أجنّ. المعنى يستعصي. ارزقني المعنى يا ربّي.

ما حصل هو أنّني قضيت الشّهرين الماضيين، بعد إجازة التقيّؤ تلك، في معمعة عجيبة لا أفهم منها شيئًا، ولا بالّذي تريد منّي الحياة أن أخرج به منها. الشّيء الوحيد الّذي أفهمه منها هو أنّ للبشر أن يكونوا مختلفين بشكل صارخ وبشع. كان الاختلاف يرتبط عندي لزامًا بالتلوّن والتّكامل، الآن صرت أفهم أنّه يمكن للاختلاف أن يكون جحيمًا. لبعض النّاس نفوس عجيبة تحرّكها دوافع عجيبة لا أفهمها ولا أظنّهم هم أنفسهم يفهمون، ولا يبالون. نعم، بعض النّاس لا يعنيهم أن يفهموا دوافعهم الخاصّة! هذه الحياة لا تكفّ تدهشني. الأمر الآخر الّذي أظنّني تعلّمته ممّا حصل، هو أنّ بعض المحاولات مضيعة للوقت. قد يبدو الدّرس بديهيًا، إلّا أنّني لم أفهم كيف يكون شكل هذه البديهة إلّا بعد مروري بالّذي مررت به. بعض المحاولات تستنزف من أصحابها أكثر من الأثر المرجوّ الّذي تخلّفه من خلفها. كنت، مثلًا، أؤمن بأنّ كلّ النّاس باختلافهم، فيهم جوهر ما خيّر يمكن له أن يستفيق إن وجدت له مدخلًا مناسبًا، إلّا أنّه، يا إلهي، قررت أن أتراجع عن إيماني هذا. بعض النّاس شرّير، نعم، البعض شرّير! أتى بفسيلة الشرّ وزرعها في قلبه وأراد لها أن تنمو وتتمكّن من كلّ الخير الفطريّ عنده. إن لم يكن الأمر كذلك، فلم خلق الله النّار؟ تعلّمتُ أيضًا أنّ محاولات جعل الأشياء تتماهى لا تعدو أن تكون، أحيانًا، إلا حلُمًا حُلوًا، أو خيالًا، أو ضربًا من شكل الحياة الورديّ الّذي لا أكفّ أرسمه حول كلّ شيء. اكبري يا علياء. بعض الأشياء لا تتماهى، كماء وزيت، ستصرّ على انفصالها مهما بذلتُ جهدًا في تحريك الكأس. بعض التّجارب مرّة ولا تقبل التّحلية. بعض النّاس سيصرّ على اللّؤم وإن مددتُ كلّ الجسور الممكنة، وطبطبتُ، وهدهدتُ، وتنازلتُ عن حقوقي كلّها في سبيل الودّ. بعض الأشياء لا تحصل، لأنها لا تحصل، لأنّه لم يُرد لها أن تحصل، هكذا دون مبرّرات. أدركت أخيرًا أنّ التّجربة الّتي تتطلّب بذلًا غير موجّه لتحقيق هدف سامٍ يتجاوز ذاتي، يتجاوز صقل مهاراتي وبناء معلومتي وتكوين خبراتي، لا ينبغي أن أخوض فيها من الأساس، لأنّ كلّ التّجارب قابلة للتعكير والتّنغيض والقرف، مهما بدت مزركشة ومزيّنة من الخارج، وما دام الخوض فيها لا يحقّق شيئًا يتجاوزني رغم كلّ ذلك، فإنّ استكمال التّجربة يكون عندها جحيمًا وغير ذي معنى. ما من دافع يجعلني أكمل، ما من هدف سماويّ يجرّني من فوق عندما تلفظني الأرض ومن عليها. 

يبدو رغم كلّ شيء أنّني تعلّمت أشياء. أوه واو! هذا جيّد. أتمنّى أن تتكشّف لي معانٍ أخرى توازي حجم القرف الّذي خضته وأضعت وقتي فيه. أريد أن أجد المعنى الّذي أقف عنده وأقول: لهذا ما كان الّذي خضته عبث. لا أعلم لم أشعر بقهر عظيم عندما يتعلّق الأمر بهذه التّجربة بالذّات! أشعر بالنّقمة والكراهية والرّغبة بالشّتم كلّما فكّرت بالأمر. يا ربّ ارزقني معنى يجعلني أكفّ. اتّخذت المرّة الماضية عهدًا على نفسي بأن أتريّث في إصدار الأحكام واستخلاص المعاني.. انتظرت كثيرًا هذه المرّة قبل أن أصدر حكمًا، إلّا أنّه، على سبيل التّفاؤل، ربّما ينبغي عليّ أن أتريّث أكثر. ربّما لم تكتمل الصّورة بعد ما دام الأمر لم ينتهِ تمامًا.. من يدري؟

قضيت اليومين الفائتين في قراءة كتاب "الإنسان يبحث عن المعنى"، ورغم المعاني الجميلة الّتي تجلّت لي أثناء قراءة الكتاب، إلّا أنّني لست أدرك بعدُ كيف أستقي ضالّتي منها بالضّبط. ربّما أكتب تدوينة ما عن هذا الكتاب، وكتاب "الإنسان المهدور" لمصطفى حجازي، واللّذين أدين لهما بالفضل في تصحيح المنظور الّذي أرى به الأشياء، والكيفية الّتي تتكشّف لي بها المعاني من كلّ ما أخوضه.

صرتُ أشعر مؤخّرًا بأنّني أقلّ كثافة، صار الغوص يصعب عليّ، وصارت الأشياء الّتي اعتدت قربها تبدو أبعد، وربّما يعوز ذلك إلى الفترة الماضية الغبيّة من حياتي، تلك الّتي تحفّز فيّ الرّغبة بالشّتم كلّما فكّرتُ فيها. كانت المرّة الأخيرة الّتي غصت فيها بشكل لذيذ أحبّه وأذكره جيّدًا، هو الإجازة الماضية الّتي كتبتُ فيها "في ختام الإجازة". كان حزن فراق أختي يتملّكني، وكنت أقرأ، في ذات الوقت "دفتر مايا" للعظيمة إيزابيل. مع إيزابيل يسهل الغوص. إيزابيل تجعلني أشعر بالرّشاقة، أتنقّل معها بين عوالم الرّواية وعوالمي الخاصّة بخفّة مدهشة لا أكاد أشعر معها بالفواصل والحدود. من حسن الحظّ أنّني لم أقرأ من كتاب "حصيلة الأيّام" -سيرة إيزابيل اللّيندي الذّاتية- إلّا أوّله الّذي أعدته ٣ مرّات، وهذا يعني أنه لا تزال عندي أداة غوص جديدة غير مستهلكة كفيلة بجعلي أشعر بالغنى.

 في الفترة الّتي تلت فراق أختي، كنت أشعر أن الحزن بحر كبير لا نهاية له، وأنّني قابعة في منتصفه. بقدر ما كان كلّ شيء حولي يصدر صوتًا أعلى، ويترك فيّ خدوشًا أعمق، إلّا أنّ ذاك الحزن الغريب كان يجعلني أشعر بالغزر. في كلّ لحظة كانت آلاف المشاعر تتملّكني، كانت دائمًا هناك الكثير من الأسباب الّتي تجعل دموعي تنهمر دون توقّف. كان لكلّ شيء يحمل ذكرى أختي فلسفة لا أعرف كيف تبدأ وتنتهي. كانت مشاعري أغزر ممّا ينبغي، وكان العالم من خلفها يبدو أكثر قبحًا نعم، وأشدّ زرقة وحزنًا، ولكن أكثر عمقًا، وأكثر حدّة. كلّ شيء كان له القدرة على جعلي أغوص، كلّ الأشياء كانت تبدو ذات طبقات. كنت أسهو كثيرًا لأنّ الحياة كانت أكثر صخبًا ممّا أحتمل، وكنت أنا أكثر امتلاءً من التّفاعل معها. لا أعرف، ولكنّي أشعر أنّني أشتاق كلّ ذلك. لا أشتاق حزن الفراق بعينه، طبعًا، ولكن أشتاق أن أجد شعورًا ما يجرّني إلى عالمي الخاصّ مهما كانت الحياة صاخبة من حولي، ويجعل الحياة من حولي تتّخذ معنى أبعد، أكثر تلوّنًا وحدّة، أنفرد برؤيته وأسرح وحدي فيه.

سعيتُ في الفترة الماضية إلى حصول على فرصة جديدة، رغم أنّ الباب الّذي أطرقه بهذا الشّكل عادةً يُقفل في وجهي بعد أن يتفُل عليه. كنت أعوّل على هذه الفرصة لأنّها كانت الأخيرة، ولأنّني أحتاجها بشدّة  ووجدتُ فيها منفذًا يمدّني بالأمل. أُقفل الباب في وجهي مرّة عاشرة، ولكنّني، وأنا أعجب لذلك، لم أتفاجأ، ولم أكره ذلك. رغم البذل الّذي بذلته إلّا أنّني شعرت براحة وحبّ. شعرتُ أنّ الحرمان مغلّف برحمة وحنوّ، وأنّه يدفعني إلى أمر آخر كنت، ولا زلتُ أغفل عنه. هناك شعور لا أظنّني أخطئه يخبرني بأن الله يريد لي بحرماني هذه الفرصة أن أجد منفذًا أكبر وأكثر امتدادًا وعمقًا ورحابة، أنّ إيجاد المنفذ سيتأخّر لأنّه لكبره يتطلّب استعدادًا أكبر، وما زلت لم أكتمل بعد حتّى أليق بالمرور عبره. شعرتُ أنّه ما زالت أمامي الكثير من الأدوات الّتي لم أستعملها، أنّ الحياة، وإن كانت خانقة، فإنّها لا تزال تحتوي على منافذ جيّدة نوعيًّا، يصعب إيجادها ولكنّها لا تزال هناك تنتظر. شعرت أنه: whhoow، لا أزال أمتلك الفرصة لتغيير وجهة حياتي/للميل بالطّريق الّذي أمضي فيه بطريقة مدروسة أكثر، صادقة أكثر، وأحبّها وأؤمن بها أكثر. لا تزال الكثير من الفرص تشعّ أمامي وتنادي عليّ وأنا لم أجرّب بعد أن أستخدم طاقتي للحصول عليها. لا تزال الحياة ممتدّة أمامي، لا أزال لم أبلغ السنّ الّتي تجعلني أقوم بعمليّة الليزك لعيوني مثلًا.. هه! لا يزال هناك متّسع من الوقت. في العادة، عندما أمرّ بموقف شبيه، أصاب بصدمة تستمرّ لأشهر، تتخلّلها نوبات بكاء وإعراض حادّ عن الحياة. يبدو أنّ الأمور داخلي تغيّرت كثيرًا. يعجبني ذلك. أوه يا عالم، انظروا، إنّني أكبر! 

توقّفت هذه الإجازة عن مشاهدة مسلسلي الّذي لم يتبقّ فيه لي سوى موسمين، ورغم أنّني أحبّه، وأحبّ من فيه، وأشعر أنّه اختصرّ عليّ الكثير من التّجارب والمشاعر، إلّا أنّني صرت أشعر، بعد هروبي المجنون من واقعي نحوه، أنّ متابعتي المخلصة جعلت عالمهم يعنيني أكثر من عالمي أنا. صرت أحاول أن أنهي كلّ شيء بأسرع ما يمكن حتّى أستكمل المتابعة، صارت أحلامي وافتراضاتي عن المستقبل تدور حول عالمهم فقط.. صرت لا أكفّ أفكّر عن سيناريوهات مختلفة ومحتملة لكلّ قصّة، صار الأمر إدمانًا، وهذا لا يعجبني. أخذت عهدًا على نفسي بأن أتوقّف عن المتابعة في الإجازة على الأقل. وجدتُ أنّني ما عدت أعرف أتعامل مع واقعي بعد التّجربة الّتي تورّطتُ فيها، وهروبي المجنون منها إلى المسلسل. دون هذين الأمرين اللذين كانا يشغلا كلّ وقتي، صرت غريبة على ما هو دونهما، وصار ما دونهما غريب عليّ. يا إلهي! ينبغي أن أرمّم صِلاتي وروابطي بالأشياء حولي قبل أن أتحوّل إلى مسخ. بعد التّجربة الرّوحيّة الّتي خضتها يوم السّبت الماضي، انقشعت طبقة من الغلاف الّذي يغلّف قلبي. استعدتُ بعدها رغبتي في السّكون، ولم أعد أشعر أنّ ابتعادي عن المسلسل حرمان. واصلتُ بالأمس قراءة كتاب جديد لمدّة ساعتين أو ثلاث دون انقطاع سوى بأفكاري الشّاردة، وخرجتُ مساءً بدرّاجتي، ولعبتُ بأرجوحتي بعد طول غياب. ياه، كم كنتُ مسخًا. 

أخيرًا، أدرك الآن أنّ انقطاعي عن وصف حالي غير صحّيّ، وأنّه ينبغي أن لا أتخّذ الأمر تسلية أو فعلًا عابرًا يتعرّض لمزاجي بقدر ما يكون التزامًا. كلّما واظبتُ على الوصف بهذه الطّريقة، أصير شفّافة بالنّسبة إليّ، ويصير خارجي يكاد يطابق داخلي. القدرة على الوصف عندي تربط أجزائي ببعضها، تجعلني كتلة واحدة بعدما أكون مبعثرة ومفكّكة.. تعطي لوجودي معنى، تجعل أجزائي ذات وصف، فلا تعود بعد ذلك أشياء متناثرة هلاميّة متناثرة في الفراغ. 

كم أحبّ هذه المدوّنة، وأحبّ وجودي فيها، وإن كنتُ لا أحبّ هذا الّذي كتبته الآن. على العموم، تصبحون على خير.

الاثنين، 30 يناير 2017

عن التّقيّؤ

أستعمل عادةً لفظة "التّقيّؤ" أو "الاستفراغ" أو "الغثيان" للتّعبير عن كلّ الأشياء المقزّزة الّتي أواجهها في حياتي بشكل روتينيّ.. يدرك الأشخاص المقرّبون منّي أنّها صفات أساسيّة موجودة في قاموسي، وأحسب أنّني أفعل ذلك تأثّرًا ببثينة العيسى، وتحديدًا، برواياتها "ارتطام لم يسمع له دويّ" و"سعار" وربّما "عروس المطر"، فالشّخصيات الأساسيّة في كلّ منها تتقيّأ كثيرًا. أجد أنّني أحيانًا أضع التّقيّؤ في الكلام الّذي أسوقه كحدث يجعل السّامع يظنّ أنّني قد تقيّأت فعلًا، وأنا بوصفي ذاك لم أكن أقصد سوى أن أعبّر عن قرفي، فأستطرد موضّحة بأنّني لم أتقيّأ فعلًا، إنّما كان الأمر مقرفًا كما لو أنّه جعلني أتقيّأ.. فعلًا. الـ(irony) في الموضوع هو أنّ التّقيّؤ يصيبني بالهلع. كنت أقضي وقتًا طويلًا في صغري أدعو اللّه فيه بأن لا تقترب الحشرات من منزلنا، وأن لا أتقيّأ في حياتي ما حييت. المرّة الّتي أذكر فيها موقفًا واضحًا في طفولتي كان له الأثر في جزعي من التّقيّؤ هو رحلتنا إلى لبنان. أتذكّر أنّنا كنّا نمشي في المساء، ووجدنا في قارعة الطّريق ممرًّا صغيرًا، فدخلنا فيه. كان الممرّ ينخفض ويلتوي كلّما مشينا، حتّى وصلنا إلى نهايته حيث كانت هناك هاوية عظيمة. كنّا على حافة جبل وكان المنظر مرعبًا وغير آمن أبدًا، لم يكن يعزلنا عن السّقوط سوى بضع شجيرات. أعادانا ماما وبابا بسرعة إلى حيث ابتدأ الطريق. سبقنا بابا. جلس أمامنا عند مبتدأ الطّريق ثم تقيّأ، وبكيت أنا. كان المنظر مرعبًا. عدنا إلى الفندق، وبدأت أختي بعد عودتنا إلى الفندق نوبة تقيّؤ طويلة. كنت في الغرفة المجاورة للغرفة الّتي تتقيّأ فيها أختي أسد أذناي وأبكي. عندما فرَغَتْ من الـ.. تقيّؤ، ذهبنا إلى الصّالة، وأعدّت لي والدتي كوب حليب نيدو حارًّا. ما لبثتُ أن أنتهي من آخر رشفة منه حتّى تقيّأته كلّه، ومن بعدها ما عدت أستطيع أن أشرب حليب نيدو حارًّا لأنّه يجعلني أشعر بالرّغبة بالتّقيّؤ في ظلال ذكرى التقيّؤ الأوّل منه. لا يزال الرّعب مستمرًا حتّى اليوم، كلّ شيء إلّا التّقيّؤ، والحمدلله أنّني من أولئك الّذين لا يتقيّؤون إلّا نادرًا،، في حالات المرض العصيبة فقط. 

حصل وأن تسمّمت غذائيًا قبل ثلاثة أيّام. عشت يومين كاملين من المجاعة والتّقيّؤ، كانت بطني خربة، وكنتُ أنا -كما تصفني ماما- خرقة بالية. قضيت يومي وحيدة في البيت عندما بدأ كلّ ذلك. يومها، كان ينبغي أن أذهب إلى حفل زفاف ما باسم أمّي حتّى "أوجّب" عنها، اتفقنا وانتهى الأمر، رغم أنّني كنت أكاد أبكي لفرط ما كنت أكره أن أذهب. ذهبت قبلها إلى ثلاث مناسبات شبيهة تتطلّب مكياجًا كاملًا وتصفيف شعر كامل ولباسًا غير مريح والكثير الكثير الكثير من المجاملات. انتهى وقتي الخاصّ، وتبخّرت الإجازة وأنا أوجّب وأذهب هنا وهناك وأصلح ما ينبغي إصلاحه في حياتي الاجتماعية غير المستقرّة؛ حتّى لا يغضب منّي الآخرون. كنت أظنّ أنّ توجّعات بطني البسيطة أرسلها الله لي لتكون عذرًا أستخدمه لكيلا أذهب، اقتنعت ماما به وأحسستُ أنا حيال تعذّري عن الذّهاب عوضًا عنها- بالذّنب. عندما خرجت ماما، قلت لها: أشعر أنّني أخونك. ردّت: لا، أنتِ متعبة وينبغي أن تستريحي، ورفعت عنّي بذلك -قدّسها الله- الشّعور بالذّنب. قضيتُ يومي بمشاهدة مسلسلي وشعور ينبّئ بأنّ شيئًا ما ليس على ما يرام، رغم أنّني ما أكلت شيئًا منذ استيقظت. عندما جاءت السّاعة الثّالثة بعد منتصف اللّيل شعرتُ أنّني كدت أهلك من فرط الجوع، فأعددت وجبة بيض. انتهيت وشعرت بالهناء، وذهبتُ أنام. استيقظت اليوم التّالي وتقيّأت ألف مرّة. جاءت أمّي فزعة من حيث كانت، وأعطتني كلّ ما ينصح به الأمّهات، وتقيّأته كلّه بكلّ لا اكتراث. ليس خطئي على كلّ حال، كانت بطني هي من تقرّر ذلك. 

انتصف اليوم وأنا خرقة بالية جدًا. لم أكن أعي ما يحصل حولي. أسمع ماما تقول: سنذهب للطّوارئ. استدعت السّائق وألبستني العباءة وذهبنا. كنت أظنّ في السّيارة أنّني كنت أموت، بعد استماعي لقصّة وفاة حمزة إسكندر -رحمه الله- الّذي توفّي قبل أسبوع عند باب المستشفى حسب رواية أختي الصّغيرة. صرت في السّيارة أحسب أيام صيام القضاء، وأفكّر في الأمانات الّتي ينبغي أن تعود لأهلها، وممّن ينبغي أن أعتذر منه وهكذا. كنت أنتظر أن يمرّ عليّ شريط حياتي ولكنّه لم يفعل. كنت أكاد أخبر ماما عمّا ينبغي أن يتمّ عندما أموت، لولا أنها كانت تقبض على يدي اليسرى بقوّة، فحجمتُ عن ذلك ودعوت: يا ربّ امنحني المزيد من العمر حتّى لا يتقطّع قلب هذه الأم الطّيبة القلقة، ومرّت على ذهني أبيات درويش: "وأعشق عمري لأنّي إذا متّ أخجل من دمع أمّي".

كنت لا أعي ما يحصل حولي، نصف وعي، بل ربعه. أُساق إلى حيث تريد ماما، أجلس حيثما تقرّر هي، لا أعرف ما الّذي يحصل، لا أدرك ملامح الأماكن الّتي ساقتني إليها لأنّني لا أقوى على فتح عيناي. انتظرنا طويلًا، وماما المتوتّرة بدورها كانت تذهب وتجيء وهي تحاول أن تجد لي سريرًا ما، تتّصل بمن تعرف وتبحث عن الدّكتور المسؤول حتّى تشرح له حالتي بنفسها علّه يتعاطف ويتعجّل. انتظرنا حوالي أربع ساعات حتّى سمعت صوتًا رجوليًّا يحدّث ماما ويقول: وصلتني مكالمة من الدّكتور -يقصد والدي- وقد كلّمت الدّكتور -يقصد الدّكتور المسؤول عن حالتي- وسوف يوجدون لها سريرًا الآن. كان الرّجل هو جارنا صديق بابا. أحمد الله في سرّي لأنّني ما عدت أطيق انتظارًا في غرفة الانتظار هذه الباردة كالثّلج. أرسلت أمّي السّائق ليحضر لي وسائد ولحافًا من المنزل حتّى أقضي وقتًا مريحًا قدر الإمكان في مكان غير مريح أبدًا، ريثما يتوافر لي هذا السّرير الخياليّ. كانت المكان باردًا جدًا، أعني جدًا، وعلى مريضة مثلي كان الوضع لا يطاق. كان هناك صراخ وصياح، هناك من يسعل وهناك من يعطس، ومع كل سعال كانت أمّي تحاول أن تدير وجهي إلى نواحٍ أخرى حتّى لا تصيبني عدوى من أولئك المرضى المنتظِرين الّذين لم يشخّص حالتهم أحد بعد. لو أنّ أحدهم كان يحمل فايروسًا ينتقل بالهواء لأصاب كل من في المكان بلا شكّ. يا ربّ احمل فيروسات هذا الّذي يسعل بجانبي بعيدًا عنّي، قني من العدوى يا ربّ.. مناعتي لا تحتمل.

مرّت السّاعات الطّوال عليّ في غرفة الانتظار بشكل أسهل من تلك الّتي مرّت على ماما، فقد كنت أنا غير واعية تقريبًا، في حين أنّها كانت واعية وقلقة وبردانة وواقفة معظم الوقت، تحدّث هذا وتتّصل بذاك. أنا.. لا أعرف كيف أعبّر عن امتناني لقلب هذه المرأة. أوجدوا لي سريرًا.. أخيرًا، في اللّحظة الّتي قرّر فيها صديق والدي أن أنتقل إلى مستشفى آخر، تحديدًا عند وصول سائقنا واستدعاء صديق بابا لأولاده بسيّارتهم حتّى يرافقوننا. ولداه الّلذين صارا قادرين على القيادة فجأة، هم أنفسهم أولئك الأطفال الّذين كنت أستمتع بمجيئهم عندنا. كانوا يحضرون أفلامًا ويفتحونها في تلفاز الصّالة الكبير حتّى نتفرّج عليها سويّة. كانوا يقومون مقام الشّرطة الأخلاقيّة إذا ما جاء مشهد غير لائق: يفزعون إلى التلفاز ليغطّونه بأيديهم ريثما يسرّع أحدهم الـDVD حتّى تنتهي اللّقطة. كانوا هم أنفسهم -ولا يزالون- يحضرون كلّ أسبوع تقريبًا حيوانات جديدة في منزلهم، أرانب أو ببّغاوات أو فئران أو كلّ ما يمكن تخيّله وتوفّره أماكن بيع الحيوانات. في شهر ذو الحجّة الماضي، أحضروا ١٢ دجاجة وديكًا، وضعوها خارج المنزل هذه المرّة في قفص كبير مكشوف فوق المنطقة الفاصلة بين منزلنا ومنزلهم. كانت لعبتهم المفضّلة في الماضي هي الإتيان بالحيوان الجديد والدّخول به عليّ في الغرفة وأنا نائمة، فأقوم فزعة وأهرب، ويضحكون. 

على العموم،،

دخلنا الغرفة المقسّمة إلى ستّة أو ثمانية أقسام مفصولة بستائر، أجروا عليّ تحاليل سريعة، ووجّهوا أسئلة إلى ماما الّتي كانت لا تصيب عين الدّقة أحيانًا، فأضطر رغم تعبي إلى محاولة تصحيح المعلومة. لم يكن يسمعني أحد، فكانت تقطع الحديث وتقرّب أذنها منّي، وأضطرّ أنا لإعادة ما قلته. انتهت فقرة الاستجوابات، وجاءت الممرّضة أخيرًا، ممرّضة هنديّة جميلة ترتدي نظّارة دون إطارات كالّتي كنت أرتديها في المرحلة المتوسّطة، وتبتسم طيلة الوقت. تحدّثها أمّي بالإنجليزيّة وتردّ عليها بعربيّة مكسّرة. كلّما كانت تهمّ بعمل شيء مؤلم كسحب دم أو تركيب جهاز إيصال المحلول إلى وريدي، كنت أطلب من ماما قبلًا أن تأتي إلى جهة اليمين حتّى أستطيع أن "أفعص" يدها رغم أنّني فارغة من كلّ أنواع القوّة الّتي لها أن تحثّني على الـ"التّفعيص". تظلّ الإبرة فيلم رعب مهما تقدّم بي العمر. أتذكّر المرّة الأولى الّتي اضطررت فيها إلى أخذ إبرة في مستشفى، كنت أبكي خوفًا. أخرج أبي قلمًا من جيبه وصار يحاول أن يبسّط الأمر لي ويجعله أكثر قبولًا عندي، مشبّهًا وخزة الإبرة بوخزة القلم، وراح يوخزني بالقلم بلطف في مرفقي. ضحكت، ثمّ بكيت مجددًا عندما وخزتني الإبرة الحقيقيّة. التطّور الوحيد الحاصل الآن هو أنّني لا أبكي، طبعًا، أو أحيانًا، وأستطيع أن أصرف نظري عن الإبرة الّتي تدخل جسدي.. أتألم فقط، وأخاف كثيرًا. 

تسلّل الجلوكوز إلى جسدي ببطء. بعد وقت ليس بقصير صرت أتكلّم مع ماما بشكل طبيعي وأرى الأشياء حولي بوضوح، ثم أدركت أنّني قادرة على فتح عيناي، وقادرة على الكلام، وسرّني ذلك. شعرت أنّني أملك الدّنيا. كم هو قدّيس هذا الجلوكوز! تقول ماما أنّني حييت بعد موت. أنظر إلى الأنبوب المتّصل بي.. يبدو أنّ الجلوكوز توقّف عن السّريان إلى جسدي حدّ أن دمي تسرّب بشكل عكسيّ إلى الأنبوب. أخبر ماما أنّ هنالك شيء ما غير طبيعيّ يحصل في الأنبوب المتّصل بوريدي. تنادي بقلق على أيّ دكتور موجود، لأنّه في هذه المستشفى ما من أحد يهتمّ بك حتّى لو كنت على وشك الموت إن لم تتفطّن أنت لما تحتاجه وتطالب به بإصرار. جاءت الممرّضة وأوقفت هذا التّسرب بأن فصلت الأنبوب، وتركت إبرة الوريد ملتصقة بجسدي. لم أطق الجلوس في ذاك السّرير أكثر، قفزت منه على الأرض، وأخبرت ماما أنّني أريد أن أحرّك رجلاي في ممرّات المستشفى. مشيت، وأظنّ أنّ النّاس فزعوا لأنهم رأوني قبل قليل مستلقية وشبه ميتة، وأنا الآن أمشي أمامهم كجنّيّة. لم أتمالك قواي لأنّ العالم بدأ يتذبذب من جديد فعدت. كالعادة، أتسرّع النّتائج وأظنّ أنّ فعلًا واحدًا كافيًا ليصل بي إلى حيث أريد، إلى التّعافي التامّ. أخبرنا الدّكتور أنّه ينبغي أن أبيت في المستشفى، شعرت في البداية بالـ"حماس" لأنّني ما كنت قد جرّبت مرّة أن أبيت في مستشفى، ولكن بعد كلّ الانتظار القاتل والهدوء القاتل والإزعاج القاتل الّذي وجدته في هذه المستشفى أصررت على الرّجوع، فأخبرني بأنّه ينبغي عليّ تجربة شرب عصير ما؛ فإنّ استقرّ في بطني أستطيع أن أعود، وإن لم يستقرّ، فلا بدّ من المبيت. انتابني شعور بالبكاء لأنّني كنت أعلم أنّني سوف أتقيأ كلّ شيء ما دامت كلّ العصيرات الّتي دخلت بطني قبل عدّة ساعات كنت قد تقيّأتها كلّها. 

الحياة في المستشفى قاتلة بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى، وفي تلك الغرفة بالذّات، الوضع لا يحتمل. كانت بجانبي فتاة تبكي كثيرًا وتلعب بالآيباد بصوت عالٍ جدًا جدًا جدًا، بجانبها -حسب حدسي وإدراكي السّمعي- فتاة تعاني من الرّبو، ويبدو أنّ الحالة اشتدّت عليها ممّا اضطرّها إلى المجيء إلى الطّوارئ. كانت قد باتت في المستشفى مرّة واحدة فقط حسبما أخبرَت الدّكتور، ويبدو أنّها لا تعرف أسماء أجهزة الرّبو لأنّ الدّكتور كان يحاول أن يستعلم عنها مشيرًا إليها بالألوان والأحجام والأشكال. في الجهة المقابلة لهذه الفتاة كانت هناك فتاة أخرى تبكي وفمها مغلق بشكل لا ينقطع، تصدر صوتًا يشبه الأنين، ولكنّه كان بكاءً. أخبر الدّكتور والدها أنّها ينبغي أن تبيت لأنّ العمليّة سوف تُجرى عليها غدًا صباحًا، وردّ الوالد باعتراض وفجيعة بأنّه لا يمكن لهما المبيت في هكذا مكان، مكان عارٍ وباردٍ ومنعدم من العناية اللّائقة، فأخبره الدّكتور بأنّه حرّ في نهاية المطاف ولكنّ هذا هو رأيه، رأي الدّكتور. كانت الفتاة تردّ على والدها وهي تبكي بأنّها تريد أن تذهب إلى الـ"الدّكان" أولًا كما وعدها ثمّ تعود. ياللطّفلة المسكينة. 

في كلّ فترة، يجب أن تراودني نوبة بكاء عنوانها "ليش ما اتخصّصت طب". كلّ الرّسائل الإلهيّة والنّصائح في حياتي والتّوقعات من قبل المقرّبين إليّ كانت تشير عليّ بأن أتخصّص في الطّبّ، ولكنّني كنت أحدس منذ بدايات المرحلة الثّانويّة أنّه ليس مكاني، أنّ رسالتي في هذا الوجود تختلف عن ذلك. كنت بحاجة إلى أفق أرحب، ووقت خاصّ أكبر يسمح لي باطّلاع أوسع. كنت أشعر أنّني أريد أن أتجاوز ذلك، أتجاوز التّحصيل العلميّ. أحبّ أن تترك لي مساحة للتّفكير والإضافة والرّبط، وأكره أن أتعرّض لحقائق علميّة بحتة. كنت هذه الأيّام في خضمّ شعور ينبّئ بنوبة شبيهة بعد خوضي حديثًا عن "النّاس الرّهيبين" مع صديقة أختي المتخصّصة في الطّب، والّتي حكت لي خلاله عن أناس أذكياء جدًا يشبهون أولئك الّذين في الأفلام، وأنّهم موجودون على أرض الواقع، هناك في مجتمع الطّب. حكت لي عن الجوّ هناك، عن الفرص، عن الاستشاريين الّذين "ختّموا" العالم وكل الأشياء الرّائعة الممكنة في سنّ صغيرة جدًا، حدّثتني عن طبيعة حياة أحبّها، أحبّها أكثر من هذا الغباء الّذي أعيشه، والّذي أدركت كم هو مقزّز وباعث على التقيّؤ بعد دخولي للجامعة، واختلاطي بأناس لا يريدون أن يتعلّموا، وهمّهم، جلّ همهم هو عدم الرّسوب، ومحاولاتي الحثيثة الفاشلة في حوار أساتذتي عن سبب تدنّي مستوى العطاء العلمي، والّتي كان يُجاب عليها بـ: هذا هو مستوى الطّلاب، لا نستطيع أن نجعل الموضوع أكثر تعقيدًا لأنّ الكلّ سوف يرسب بهذه الطّريقة. نعم، هذه إجابة مقزّزة وغير مقنعة وباعثة على التقيّؤ، ولكن مستوى الطّلبة واستعدادهم لتعلّم أيّ شيء مقزّز أيضًا وباعث على.. التّقيّؤ. كلّ شيء في تخصّصي ومجتمع التّخصّص باعث على التّقيّؤ،، ولكن، بعد خوضي لهذه التّجربة الغريبة في المستشفى، أدركت بأنّه رغم سموّ مهنة الأطّباء ونبلها- فأنا لن أطيق البقاء في هكذا مكان لساعات طوال، وأنّني أتماهى أكثر مع أجواء المحامين والمحاكم، ليس لشيء، ربّما، إلّا لأنّني تعرّضت لتخصّصي مدّة سنتين ونصف، ولأنّني أتابع مسلسلات محاماة تجعل الأمر يبدو ممتعًا أكثر. أراحني هذا الخاطر، ووفّر عليّ الكثير من النّدم والدّموع. أريد أن أكون في المكان الّذي أنا فيه ولا شيء غير ذلك.

شربت العصير، انتظرت مدّة نصف ساعة كلّها دعوات باستقرار البطن، ولم أتقيّأ. جاءت الممرّضة بعد دهر لتنزع إبرة الوريد منّي، اتّخذت ماما موقعها بجانبي الأيمن، "فعصت" يدها هذه المرّة لأنّني أمتلك قوّة كافية لفعل ذلك، وضعت الممرّضة ضمادة في المكان وأمرتني "press here" بالإنجليزيّة هذه المرّة. جاء الدّكتور بعد دهر آخر حاملًا وصفة الدّواء في يده ليعطينا إيّاها حتّى نطلبها من الصّيدليّة بالأسفل. أوصلتني أمّي إلى غرفة الانتظار الإسكيمو، وذهبت لتحضر الدّواء. تلحّفت بكل الأشياء وانتظرت دهرًا ثالثًا حتّى أتت، ثم انتظرنا دهرًا رابعًا حتّى أتى السّائق. أمشي في الممرّات بثقة المتعافي ثمّ لا أقوى على حمل نفسي فأتّكئ على ماما، ويراودني حزن بأنّني لم أستعد كامل قوّتي بعد. 

أعود إلى غرفتي أخيرًا! أخيرًا، بعد قضاء يوم كامل في مستشفى متخلّفة، في بلد فيها الرّعاية الصّحيّة متخلّفة جدًا، وأفكّر: ماذا لو لم يأتِ صديق والدي بصوته الذّكوريّ الخشن المقنع كفاية -بالنّسبة لهم- بأنّني بحاجة إلى سرير ما؟ ما الّذي يفعله اللّاجئون والنّازحون والمحاصرون الجوعى وضحايا الحروب بأنفسهم وهم يعانون هكذا جوع دون إبرة جلوكوز تحييهم بعد ممات؟ ما الّذي تفعله أمهاتهم وهنّ يشاهدنهم ينكمشون جوعًا؟ يا الله الطف بهم. تجيء أمّي إلى غرفتي كلّ برهة لتطمئنّ عليّ وتبدي تعجّبها: لقد كنتِ خرقة بالية صباح اليوم! والله لقد كنتِ.. الحمدلله. تحضر لي شوربة مصنوعة من مرق دجاج مسلوق، وتخبرني بأنّها أعدّتها لي على الغداء ظهر اليوم ولكنّني كنت في وضع لا يسمح بتناول أيّ شيء. كانت مياهًا شفّافة ضبابيّة لذيذة جدًا، تناولت ملعقتين أو ثلاثة ونمت.. نمت أخيرًا دون آلام. 

أقضي اليوم ثاني أيّام التّعافي التّدريجي. نمت طيلة اليوم، أعني: طيلة اليوم، أصحو للّصلاة وأنام مجدّدًا، كشبح.، كمومياء. بعد صلاة المغرب، قلتُ لأمّي: عن إذنك، سأعود إلى سباتي الشّتوي. فضحكت ضحكة كبيرة تبعث على السّعادة لأنّ الوصف كان يعبّر عن حالي بدقّة، ضحكنا. مومياء لا يتقيّأ، هذا ما يهمّ. لا آكل شيئًا، لم آكل خلال ٤ أيّام سوى بضع ملعقات من شوربة استقرّت في بطني، رشفتين من عصير، و٤ ملاعق لبن، ورغم أنّ بطني تصدر أصواتًا إلّا أن الأمر لا يزعجني، ما كان يومًا شعور الجوع مزعجًا بالنّسبة لي. في الحقيقة أنا معتادة عليه، حتّى أنّني أستطيع "تصفيره"  فلا أعود أشعر به. المزعج هو أنّني لا أملك طاقة للقيام بأيّ شيء قيّم رغم أنّني اتّخذت عهدًا على نفسي ساعة المرض بأنّني عند العافية سأقوم بكلّ الأشياء القيّمة عملًا بـ"اغتنم خمسًا قبل خمس.. صحّتك قبل سقمك". أتذكّر أنّ أستاذة الرّياضيات في المدرسة كانت تردّد ذلك في كلّ حصّة كنّا نخبرها فيها بأنّنا لا نريد درسًا ما دمنا متقدّمين بشكل كبير عن الشّعب الأخرى، وكانت لا تفتأ تردّد: اغتنم خمسًا قبل خمس، حتّى، حصل وأن توفّي زوجها، واضطررنا للتوقّف عن أخذ دروس رياضيّات فترة ريثما أوجدوا لنا أستاذة أخرى، ولم نتأخّر عن المنهج رغم أيّام التّوقف الكثيرة لأنّ أستاذتنا كانت تحرص على اغتنام الفرصة الأكيدة عوضًا عن التّسليم لمستقبل غير أكيد. هذه الذّكرى لا تفتأ تفجعني وتذكّرني بالحديث، وأنا اليوم، أدركه بكلّ حواسّي وشعوري.

أكملت الآن ٤ ساعات مستيقظة وذلك يسعدني جدًا. أشعر أنّني حيّة من جديد. لم أتقيّأ شيئًا اليوم سوى القليل في الصّباح. أقبلت على الكتابة عندما شعرت أنّني أكاد أدوخ من جديد، أردت أن أقاوم التّعب بالكتابة، وها قد نجح الأمر. حاولت أن أقرأ التزامًا بالخطّة الّتي وضعتها لنفسي خلال الإجازة، كتابًا لا رواية، إلّا أنّني سمحت لنفسي بالبدء بإحدى روايات معرض الكتاب تقديرًا لحالتي الصّحيّة ووعيي النّاقص. قرأت ٧٠ صفحة ونمت كثيرًا خلالها، ولكنّني أعدّ ذلك تطوّرًا في محاولات اتّصالي بالحياة مرّة أخرى. أشعر أنّني ممتنّة لوجودي دون أن أضطرّ لتفسير ذلك، ممتنّة لأنّني أعيش في كنف عائلة، في بيت، وأشعر بالحنق عن كلّ من لا يستطيع،، عن كلّ مريض لا يستقبل عناية صحّيّة لائقة، عن كلّ شخص جُوّع، وأبعد عن مسكنه، وأكره كلّ الأسباب المؤدّية إلى ذلك، كلّ الفساد، كلّ الحكّام، كلّ سرّاق الأموال، وأودّ لو أذهب في تظاهرات ما، تشبه تلك الّتي في أمريكا هذه الأيّام، لأدافع عن حقوقهم. أريد أن أدافع عن ذلك بشكل صريح، أصرخ فيه بصوتي، وأغنّي، وأكتب الشّعارات، وأحثّ النّاس فيه على المزيد من الصّياح باستخدام مكبّر صوت. أريد أن أفعل ذلك بشكل مباشر جدًا، بالصّياح وحده. لو.. لو أنّني أستطيع أن أصرخ فقط، أن أصرخ في وجه هذا العالم غير العادل!


الاثنين، 2 يناير 2017

تنفيس، بس كدا

أكتب هنا لأنّ تويتر صار مكانًا ما عدت أفهمه ولا أشعر أننّي قادرة على الكتابة الحرّة السّاذجة فيه. أشعر فيه بالقرف والغربة والوحشة، والقرف، وأنّ أعينًا ما تلاحقني، وأنّني أحتاج إلى غطاء ما. أكتب وأحذف وأكتب وأحذف.. أكره أنّني فورما أنتهي من كتابة شيء ما، هناك، أعود فأقرؤه وأشعره أنّه لا يمثّلني، أنّني غريبة عنه. كلّ ما أكتب في كلّ مواقع التّواصل، لسبب ما خفيّ، صار لا يمثّلني، ولا أعرف أين تكمن المشكلة بالضّبط. وكأنّني ما عدت أعرف أعبّر عن نفسي هناك، وكأنّ كلّ شيء يخرج منّي صار يستحيل إلى كائن مستقلّ له القدرة على تغيير ملامحه بنفسه.

على العموم، أوجدت اليوم بعض المصادر لبحثي عن "ستالين"، هذا الكائن غريب الأطوار. كان ضعيفًا وهشًّا ومجنونًا يختلق العظمة ويصوّرها حتّى لا يكشف أحد حقيقته. الكثير من الدّراسات تشير إلى أنّه كان بأفعاله المجنونة، حين تولّي الرئاسة، يحاول أن يعوّض ما فاته في طفولته.. كان تابعًا لظروفه بشكل واضح لا يخفى على محلّل نفسيّ. كان يُشتم ويُضرب في طفولته حتّى صار يفشي غضبه على شعبه حينما قُدّر له أن يخلف لينين في رئاسة الاتحاد السّوفييتي. كان لا يثق بأحد، ولا يثق بقدراته أحد، فصار حين تولّي الرئاسة يوزّع المخبرين السّريين، ويعلّق صورًا كبيرة في كلّ أرجاء وأزقّة وجدران بلدان الاتّحاد بشكل يوحي بأنّه يراقب شعبه، حتّى أنّ أفراد العائلة الواحدة ما عادوا يأمنون بعضهم البعض، بطريقة تشبه الوضع الذي صوّره جورح أورويل في ١٩٤٨، وستالين كان، بلا منازع، أخًا كبيرًا. كان يستعمل سياسة الخوف والتّخويف، ولا يخاف لومة لائم في القتل. قتل ستالين من شعبه عددًا يفوق الذي مات منهم في الحربين العالميّة الأولى والثانية. كان مخبولًا. أكرهه بشدّة، من كلّ قلبي، وأتمنّى لو يعود فأبصق في وجهه. لا شيء فيه جذّاب، كان كذبةً كبيرة.

الدراسات التي أجريت في كلّ من ستالين وهتلر مهولة، لم تترك شيئًا يصدر منهما، لا حرفًا ولا إيماءةً ولا حتّى الطريقة التي يقف أو يجلس أو يصفّق بها كلّ منهما إلا شملته دراسات المحلّلين والمفسّرين والمؤوّلين. لا أستطيع أن لا أفكّر بعد كل الدّراسات الّتي اطّلعت عليها عن مصير الّذي أكتبه هنا مثلًا. أتساءل عن كيف سوف يبدو المستقبل، عمّن سأصير إليه. أتساءل إن كان ما أنشره بإرادتي سوف يُؤوّل بشكل ما مسخ لا يشبه الذي كان يسكن قلبي/عقلي حينما صدر منّي. أتساءل عن مصير دفاتري، دفاتر مذكّراتي، هل ستحلّلها الأعين عندما أموت؟ ياللهول! أتمنّى أن تتعامل عائلتي مع أشيائي بسريّة تحترم خصوصيّتي، هذا إن افترضنا أنّني سوف، أكون، أكثر من فتاة تهلوس في أنصاف اللّيالي على الإنترنت لغرض التّنفّس والهرب.

عندما أتأمّل العام الفائت، أشعر بتوجّس حيال هذا العام الّذي سيأتي. كان عامي الفائت أصعب عام مرّ عليّ بلا منازع، بعد عام ٢٠١٢. كان حافلًا بالخيبات والمفاجآت والمفاجعات، والفقد، والذهول من فرط بشاعة الواقع. إنجازي الأكبر الذي خرجت منه هو أنّني لم أجنّ. صرت أوعى نعم، وتعلّمت أشياء كثيرة، ولكن هناك أشياء، بالمقابل، أشعر أنّها ماتت فيّ ورحلت إلى الأبد. ربّما هذا الّذي أسمّيه موت هو نضج ليس إلّا. لا أعلم. المهم أنّني تغيّرت، كثيرًا، بشكل صارخ. منذ رمضان الفائت فقط، تغيّرت عندي أفكار كثيرة، أعني كثيرة، كثيرة جدًا، وجوهريّة جدًا، ومفصليّة جدًا. قرأت كثيرًا وسألت كثيرًا عن تلك الأسئلة التي كانت تمزّقني، لم أجد حلولًا كاملة بعد، ولكنّي وجدت الكثير من الإجابات التي أنارت بداخلي أنوارًا هدّأت من روع الجهل عندي. صرت أكثر صبرًا وتريّثًا فيما يتعلّق بالبحث عن الإجابات، ما عادت الأسئلة تقتلني كما كانت تفعل في الماضي، أو ربّما، كلّ الأسئلة الّتي كانت تقتلني وتقضّ مضجعي وتجعلني أبكي قبل النّوم وبعد الاستيقاظ، أوجدت مهدّئات لها. أتساءل إن كانت نوبة التّساؤلات المزعجة ستعود مرّة أخرى، تلك الّتي استمرّت أطول ممّا يجب. 

على طاولة الغداء بالأمس، كان أخي الصّغير يُسابق بين إصبعيه السّبابة والوسطى وهو يقلّد الطّريقة الّتي يتكلم بها معلّقو الكرة، الإصبح الأوّل كان "عبدالله" والإصبع الثاني كان "عبدالرحمن"، أبناء جارتنا. تبيّن فيما بعد أنّه أخذ درسًا في مادّة لُغتي عن سباق الهجن، وأنّه كان يقوم بإصبعيه بسباق هجن لأنّ أبناء جارتنا اسم العائلة خاصّتهم هو "الهجن". ضحكنا لمدّة ٥ دقائق، ثم شرحنا له أنّ المقصود بسباق الهجن هو سباق الجمال، لا سباقًا بين أبناء جارتنا. هذا النّونو الذي لا يكبر، ولن يكبر في عيني أبدًا، لا أستطيع أن لا أراه كائنًا "لزّوزًا" صالحًا للتقبيل رغم أنّه يكاد يصير في طولي. 

*تم حذف ١٠ أسطر كانت مكتوبة هنا لغرض السّتر على النّفس*


خلاص، كفاية. كان عندي الكثير من السّواليف في عقلي ولكن ينبغي أن أكمل ما تبقّى من مهام. الكتابة هنا ممتعة يا جماعة، بخلاف أيّ مكان آخر. تصبحون على خير، يومي غدًا سيكون حاااافلًا جدًا. نتمنّى أن يكون حافلًا بطريقة مُرْضِية، لا مرَضِيّة. هه ه!

السبت، 31 ديسمبر 2016

عن أناس سقطوا من الجنّة

كنت أشعر بخذلان، وخوف، ونفور من الحياة. كان كلّ شيء يبدو فارغًا ورماديًا، وكنت أحاول ما أستطيع بما تبقّى من قوّة.

 إحدى محاولاتي كانت ذلك الّذي كتبته وذهبت به إلى مركز التّدقيق اللغويّ عندنا في الجامعة. كان منفذًا، وكنت أحتاج أن يكون مثاليًا حد تدقيقه من قبل مختصّين. ذهبت هناك وأنا ما أتوقّع الكثير، عشر دقائق من المراجعة السّريعة، إضافة فاصلة، إزالة كلمة، وهكذا. دخلتُ فحيّتني بوجه طلق وترحيب أشعرني براحة ما أشعر بها عادةً في الجامعة. طلبت منها قبل أن نبدأ أن تعطيني رأيها فيما تقرأ، لا أن تكتفي بالمراجعة اللّغويّة، ورحّبت بذلك. كان المكتوب الّذي حملته إليها ينبغي أن يكون عنّي، وعن أشياء تتعلّق بي. عندما جلَسنا، وقبل أن نبدأ، أخبرتها عرَضًا -وأنا أشرح عمّا يتحدّث هذا الّذي كتبته- بمعلومة ما، تتعلق بمكان ما، كانت هي ذاتها تنتمي إليه. اختلفت آراؤنا حولها، كانت مصممّة على رأي وكنت مصمّمة على آخر، فأشارت إليّ  فجأة، وأنا لمّا أكمل الشّرح، بأن أنتظر، ثم اتصلت على قريبة لها لتتأكّد من رأيها المخالف لرأيي حول الموضوع. اتصلت بها على مسمع منّي، وتبيّن أنها هي المصيبة لا أنا. ضحكت من العفويّة التي تصرّفَت بها والطريقة الّتي توصّلت بها لحل حاسم.. واعترفت بالهزيمة. كانت لطيفة جدًا، ودقيقة جدًا، وتريد أن تساعدني بكلّ ما تملك من خبرة وفهم بحرفيّة بالغة، وأنا لم أقابلها في حياتي إلّا منذ عشر دقائق. كانت تعليقاتها تنمّ عن خبرة طويلة وذكاء عالٍ وحبّ غير مسبوق للعطاء والإخلاص في العطاء. كانت تريدني أن أكون الأفضل. 

قرأت ما قرأت، وكانت تستفسر كلّ مرّة عمّا كنت أكتب. يحصل أن أبدأ في الشرح وأستفيض، وعندما أنسجم حدّ أنني أتساءل عن سكوتها الطّويل في خضمّ استرسالي في الشّروح، ألتفت إليها فأراها تتّكئ على يدها وعلى وجهها نظرة مضحكة. أسكت. تقول: خلصتي؟ أجيب: إيوة. قبل أن تبدي رأيها في ما كنت أقول، أخبرتني أنها مختصّة في علم النّفس أصلًا، وأنها تقدّم استشارات، وأنّه من حسن حظّي أنها كانت هي المدقّقة في هذا الموعد بالذّات لا سواها. أخبرتني أنني لا أتعامل مع نفسي بما يليق، وأنّه ينبغي أن أغيّر ذلك، وعليه عليّ أن أغيّر النّصف الثّاني مما كتبت. كانت تقول أنّها تؤمن بأنّه يمكنني أن أكتب شيئًا يبرق أكثر، ويخبر عنّي أكثر، وأحتفي فيه بنفسي أكثر. كانت تريدني أن أظهر فيما أكتب، وأن أشير على نفسي فيه صراحةً، وأنسب لنفسي ما فعلت. لم أكن أؤيدها في قرارة نفسي، لا أحبّ أن أبدو بالطّريقة التي كانت تريدني أن أظهر بها، رغم أنني أعرف أنها، بطريقةٍ ما، في ذاك السّياق بالذّات، كانت محقّة. كنت معطوبة ومفتّتة، وكانت تحاول أن تلملم أجزائي وتجعلها تبدو ذات معنى. أخرجَت ورقة، وكتبت فيها ما تظنّ أنّه ينبغي أن يكون. كتبَت ما تقصده فكرة فكرة، وتحت كلّ فكرة مثال. خطّها جميل، تكبر الحروف وتصغر وتستدير وتتّصل ببعضها بجمال وانسياب يليق بكاتبة محترفة. 

عندما كتبتُ اسمي في ورقة التّقييم، سألتني إن كنت أعرف فلانة، أو فلانة، وتوصّلنا في النّهاية إلى قرابة تجمعنا. كان ذلك مدهشًا ومضحكًا. هذه الكائنة الجميلة المحترفة كانت يومًا ما في إحدى الأفراح العائليّة الكبيرة لا ريب! عندما انتهينا، أخبرتني أنّ الورقة التي كتبتُها هي أفضل ما استقبلته في هذا المركز على الإطلاق، وكنت أضحك خجلًا ودهشة، ثمّ غمرتني بأمنياتها الطّيبة ودعواتها الخالصة بأن يمضي الأمر وفق ما أحب. كنت أقول كعادتي حينما يفيض الامتنان: مرّة شكرًا، وتردّ بلطف بالغ، وهي تحاكي طريقتي في نطق الكلمة: مرّررة عفوًا! خرجتُ بنفس متجدّدة، وابتسمت طيلة الطريق من المركز إلى السّيارة، ومن السّيارة إلى البيت. أدرك، وأنا أراجع الموقف مع نفسي، أنني كنت قد مكثت معها ساعتين، يا إلهي.. ساعتين! والموعد كان ينبغي أن يكون ربع ساعة. أخبرتني خلال الموعد أنّها ستعتذر قبل الرّابعة لأنّ عندها موعد آخر، ولكنّها، عندما حان الوقت، أجرت اتّصالًا لتعتذر عن موعدها الآخر. أنا لا زلت أعجب من ذاك الكرم وذاك اللّطف الذي فاضت به عليّ رغم أنّه كان اللقاء الأوّل.

عدت ومحوت النّصف الثّاني كلّه، وتتبعت تعليماتها. أخرجت الورقة ووضعتها أمامي. كتبت، كتبت كثيرًا، وكنت راضية أكثر ألف مرّة عمّا كتبته قبلًا. كنت سعيدة أنني صرت قادرة على إخراج ذاك الذي ما فلحت في إخراجه من داخلي إلى الورقة قبل أن أراها. تلك المرأة الجميلة حرّكت فيّ أشياء، لقد نجحت فعلًا.

في اليوم الثّاني، اكتشفت حينما وصلت الجامعة أن محاضراتي كلّها ملغيّة. لم أتحسّر، لأنّ موعدي مع المدقّقة كان يهمّني. ذهبت إلى غرفة التّدقيق، ونظرت إلى ورقة المواعيد، ووجدت أنّ مواعيدها كلّها محجوزة فضلًا عن تأخّر وقتها. ذهبت إلى مكتبها وكان مقفلًا. يوه! لم أكن أريد غيرها. قرّرت أخيرًا أن أذهب لمن أجد موعدها شاغرًا بحكم فراغي، ومن ثمّ أريه مدقّقتي الأولى بعد تعديله اللّغويّ لآخذ رأيها على عجالة. ذهبت إلى المركز وكانت هناك فتاة في أواخر عشرينيّاتها جالسة هناك. سألتها إن كان هناك موعد شاغر فوريّ، وأخبرتني أن هناك اسم مسجّل، ولكن ما دامت صاحبته لم تأتِ فيمكنها أن تبدأ هي معي. بدأَت بقراءة النّصف الثّاني الّذي كتبته في اليوم السابق، وتوقّفَت عند الفقرة الأولى الّتي تحدّثتُ فيها عن حبّي للأدب العالمي. سألتني: هل تحبّين الأدب العالميّ فعلًا؟ وخضنا نقاشًا طويلًا حول كُتّابنا المفضّلين ورواياتنا المفضّلة. تبيّن لي في خضمّ النقاش أن هذه الآنسة الجميلة تركيّة درست الأدب العالمي في مرحلتي البكالوريوس والماجستير في تركيا، وأنّ رسالتها كانت عن الأدبّ الروسيّ تحديدًا، وأخبرتني أن أمها وأباها أيضًا متخصّصان في الأدب الرّوسيّ. كانت تحبّ الأدب اللّاتينيّ كما كنت أفعل، واشتركنا في حبّ بعض الكتّاب الآخرين من بلدان أخرى. كنّا مندهشتين وسعيدتين. كنت مندهشة من إيجاد كلّ هذه الدّهشة في الجامعة التي اعتدت أن أكرهها واعتادت أن تلفظني. كانت في خضمّ النقاش تأخذ لابتوبّي منّي وتفتح نوافذ في جوجل كروم، لتبحث عن اسم كاتب أو آخر، وتوصية لكتاب أو آخر، مرّة بالإنجليزيّة ومرة بالتّركيّة، وكنت أسجّل كل ذلك.. وعندما كنت أخبرها عن أسماء لا أعرف إلى أيّ بلاد ينتمي أصحابها، كانت تعرف جنسيّة الكاتب من صوت الاسم الذي أنطقه، وحصل ذلك أكثر من مرّة. كانت تعرف كلّ شيء.

امتدّ لقاؤنا لساعتين بدلًا من ربع ساعة تحدّثنا فيه عن كلّ شيء ممكن، ابتداءً بالأدب وانتهاءً بحقوق المرأة. ذهبت بعدها إلى مكتب مدقّقتي الأولى بناء على طلبها برؤية ما كتبت بالأمس. لم أكن متأكّدة مما كنت أفعل. أذكّر نفسي بطلبها وأحمل نفسي وأذهب للمرّة الثّانية. عندما رأتني أخبرتني بأنها سوف تلحقني إلى المركز لترى ما كتبت، رغم أنه ما كان موعدها، وكانت ينبغي أن تذهب لاجتماع مهمّ. جاءت إلى المركز وقرأت ما كتبت. انتهت وأخبرتني بأنه أعجبها جدًا، وأنا كنت.. أطير. صارتا تتكلّمان عنّي هي والآنسة التّركيّة بصوت عالٍ. She is amazing. Yes she is. 
وكنت أضحك خجلًا، كنت أموت وأحمرّ وأضحك. احتضنتاني بمبادرة منهما وهما تتمنّيان لي التّوفيق. خرجت من تلك الغرفة وأنا محفوفة بالحبّ والدّعوات والمديح، بثقة عالية وقلب يرقص. كنت منشكحة بطريقة لا أستطيع التّحكم بها. أضحك وأجري في الطّرقات وعباءتي تطير من خلفي. كنت أطير! غادرت الجامعة لأوّل مرّة وأنا سعيدة، سعيدة فعلًا، وممتلئة بطاقة إيجابيّة ما شعرت بمثيلها في السّنة الأخيرة من حياتي على الأقلّ. كنت مكسورة، ما عدت. كنت أرى الأشياء باهتة ورماديّة، صارت الأشياء ورديّة وبرّاقة. كانت الحياة فيّ تستعيد مجراها، كانت عيناي تبرقان، وكنت أبتسم لكلّ من حولي، وأمنّي نفسي بمستقبل أفضل، وحياة أفضل، ونفس أقلّ عطبًا، وأكثر قدرة على خوض الحياة،، ولوهلة، تصاغرت كلّ المشاكل الأخرى، اتّخذت لونًا شفّافًا والتفّت حول بعضها في ركن بعيد.

اختُتَمت هذه السّلسلة من الأشخاص الذين سقطوا من الجنّة فجأة بلقائنا مع د. منال كيّال. د، منال هي استشاريّة نفسيّة عبقريّة جدًا، كلامها مدروس وفيه عمق أحبّه وأحتاجه. ما فعلته د. منال اليوم هو أن صاغت كلّ الدّروس الّتي كنت أحفر في الأشياء حولي بحثًا عنها في محاولة لإيجاد تفسير أفضل لكلّ ما يجري- بشكل مهذّب وموزون ينبع عن حكمة وخبرة وفهم عميق. كانت تعرف ما تقول. تحدّثت عن النّظرة الماديّة للأهداف، وكيف أنّ هذه النّظرة هي أساس ما يصيبنا بالضّغوط النّفسيّة عند كلّ تغيّر يمكن أن يحصل، وكلّ عارض يقف في وجهها، وأنّه ينبغي أن نفهم أن هذه الأهداف هي وسائل يمكن للـ"أهداف الحقيقيّة" أن تتحقّق بغيرها، والكلام في هذا يطول. تحدّثت عن نظريّة التفّسيرات الّتي راقت لي كثيرًا، وذكرت أخيرًا بأنّ الكثير من الضّغوط النّفسيّة أساسها أفكار خاطئة، وأنّ الحلّ دائمًا يكمن في الوعي، وفي تصحيح مسار هذه الأفكار، وفي تغيير المنهجيّة الّتي ننظر بها للأشياء. قالت أن تغيير الأفكار رقيّ ونضج وإنجاز عظيم متى ما أدرك صاحبه أنّ في منهجيّته السابقة خلل. 

كان حديثها ثلجًا وبردًا وسلوى، كنت أحفل بكلّ شيء توصّلت له بنفسي وكانت تقوله، لكلّ الطّرق التي كنت أعالج بها نفسي وكان يحصل أن تتطابق مع الأشياء التي كانت تسردها. كنت أحبّ تلك الجسور الّتي سدّت بها ثغرات عندي كانت تحول بين فكرة وأخرى، والّروابط الّتي خلقتها، والنّهج الصّلب المتّزن الّذي خرجت به من بعدها. 

أشعر أنّني متعافية جدًا، ومستعدّة جدًا لاستقبال عام جديد، بنفس متّزنة ومقبلة على الحياة. عندما أراجع ما فات، لا أشعر -كما أفعل عادة- أنّني أهدرت نفسي، أجد الآن بالذّات أنّ محاولاتي كلّها كانت تبني بعضها بعضًا، أنّ كلّ ما فات كان بناءً، لا عبثًا، وأنني أحصد اليوم ثمار الوعي. أنا سعيدة ليس لأنّ الحجرة انزاحت، والغمّة تلاشت، ولكنّ لأنّني خرجت من كلّ ذاك الّذي مضى بخلاصة أستخدمها للّذي سيأتي، وأنّني، قبل كل شيء، خرجت بسلام! أنّني رغم الحروب كلّها ما انتهى الأمر بيأس أو عجز، يا الله! كم كنت أتوق لهذه اللحظة، للحظة الّتي أدرك فيها أنّني ما كنت أعبث، وأنني سأصير متعافية من جديد. ممتنّة وراضية. أشعر بالأمان. أشعر أنّ الله كبير جدًا، وأنّ رحماته تحفّني أينما ذهبت، وملائكته تحرسني، وأنّ الحياة رحلة، وأنّني أفهم أنّني سأصل، وأنّ الوصول يكون بعد خوض الشّوط لا قبله كم كنت أظنّ وأرجو، وأنّ النّاس الطيّبين موجودون في كلّ مكان. أحبّ صديقاتي جدًا، وأختي، ومشروعي الصّغير، وماما وبابا رغم اختلافي معهم. أحبّ أنني أفهم، وأنني أكبر وأعي كل يوم أكثر، وإن كانت الطّريق وعرة، وأنّه ما زال هناك وقت، وأنّ العجلة في استباق النتائج ليست شيئًا ينبغي أن أكرّر فعله في ما سيتقدّم من حياتي.


وبكرة يوم أوفف! ييييااااااس!



كل سنة وأنتم طيّبين، وأرواحكم طيّبة، وأنفسكم طيّبة، وحيواتكم زاهية وطيّبة وفوّاحة وتنبض بالحياة.




الثلاثاء، 6 ديسمبر 2016

تيه وغربة

تائهة من جديد.. ظننت بعد كل الذي حصل، بعد كل العزلة ومحاولات التعافي، بعد الأشياء التي تركتها والأشياء التي بدأتها،، أنني عدت، وما عدت. لا أعلم إن كنت في مرحلة انتقالية أم أنني أتردّى يومًا بعد يوم. جاءت أختي ورحلت، وما بكيت إلا دمعةً أو دمعتين. ما عاد شيء يهمّ حقًا، ولا أعرف لم لا أجد في الأمر سلوى. لطالما تمنّيت أن تمرّ الأشياء عليّ بهذه الخفّة، لا يرهقني حملها في قلبي ولا يدميه انتزاعها عندما يأتي وقت الرحيل. لا شيء أريده كما أريد أن تحصل الأشياء عادةً، إلا بعض أحلام لا أخطئ في رغبتي بها مهما حصل. صرت أصمت كثيرًا، أكثر مما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي أن أصدر فيه انفعالًا ما. لا أعلم ما الذي حصل، ولا كيف وصلت إلى هذا الذي وصلت إليه. لا أعلم إن كنت أرغب بذلك أم أنني لست إلا نسخة رديئة أخرى مني معدومة الرغبات والانفعالات، قتلتها الأحلام التي رغبت بها بشدّة وما حصلت، ومات شيء فيها من فرط ما كانت تجري بأقصى سرعتها في كل اتجاه وتصطدم كلّ مرّة، كلّ مرّة، بجدار صامد. 

لا أعرف أين يكمن الخطأ بالضبط. فعلت الأشياء التي ينبغي أن أفعلها، جربت أكثر من طريق، ولم يمتلئ ذاك الجزء الفارغ داخلي. دائمًا هناك شيء ناقص، ومع مضيّ الوقت صرت أفقد شعوري الحادّ بالنواقص ومواطن الألم، دخل الكل في الكل، الإحساس ضبابيّ وأنا ما عادت فيّ قوّة لتحرّيات دقيقة عن كل صادرة وواردة في ذاك القلب، وذاك الشعور.

بكيت بالأمس، بكيت قليلًا، أقلّ من العادة، وأنا أستعيد أشواق الحياة التي أودّ أن أعيش، في ظلّ جوّ تعليميّ يحترمني ولا يحفني بالكره وتكميم الأفواه. ولكنّني بكيت، وسعدت لذلك. لا زال فيّ شيء ينبض بالحياة، والرغبة بالحياة.

بعد نوبة البكاء الخفيفة، بدأت كتابًا عظيمًا اسمه "فكرة العدالة" لـ أمارتيا سن، سعدت به جدًا، وكان له الفضل في إسكاتي. اشتريته مصادفة من معرض كتاب جدّة العام الماضي وأنا ألتقف كلّ ما يحوي كلمة "عدالة" حتى أستعين به في بحثي، وأغراني ارتفاع ثمنه رغم صغر حجمه. أخبرني صاحب المحلّ عندما رآني أقلب صفحاته أنه كتاب عظيم. صدّقته واشتريته. لا أعرف متى كانت المرّة الأخيرة التي قرأت فيها شيئًا شعرت معه وأنا أقرأ بخلايا دماغي تتفتّح وتزهر. أحضرت القلم وشرعت بالتلخيص وأنا أكفكف دموعي. آه.. كم أتوق لحياة تحفل بهذا النوع من الأفكار، أفكار تتطاير في كل جانب، حيث يدلي الكلّ بدلوه، وأدلي أنا، أو أستمع إليهم صامتة مبتسمة. العالم يمضي والحياة تمضي وأنا هنا حبيسة عالم خانق يحرم فيه التفكير، ويُنبذ فيه أصحابه.

اعتزال مواقع التواصل الاجتماعي كان مفيدًا في البداية، أظنه يظلّ كذلك. انغمست في أعمال كثيرة وكنت بحاجة لأن أكون في منأى عن المشتتات.. دفعتني للقرار مايا التي اعتزلت كلّ شيء عندما هربت إلى تشيلوي، وعزمت على الأمر من بعدها. عدت اليوم، ولم أشعر أن الأمر مثير للعودة بأي شكل. يروقني أن أظلّ صامتة بينما الكل يصرخ. ما عاد شيء أو مقال أو فيديو يثير فيّ الفضول. العالم مكان مزعج وغير عادل، وكلّ خبر لا يهمّ ما دام الأبرياء لا يزالون يقتلون في حلب، واليمن، وسجون مصر، و..

أبدأ شيئًا جديدًا وأنا لست متأكدة من أنني أريد الإقدام عليه. لا زالت هناك أمور تحتاج أن تستقرّ، ما زالت هناك كتب أودّ أن أقرأها، فيديوهات وأفلام أودّ أن أشاهدها، أناس أودّ أن أراهم، أشياء أودّ أن أتعلمها.. فعلت وأقدمت على جديد سوف يحتلّ مساحة من قلبي وعقلي وراحتي والكثير من وقتي، كسابقه، ولا يثير ذلك فيّ أيّة حماسة. لا أعلم لم لا أشعر برعشة البدايات عندما يكون الأمر إقدامًا على إنجاز جديد. كلّ ما أشعر به هو الثقل، والرغبة بالهروب. أريد أن أهرب! الآن!

عندما صارت حياتي تتمحور بشكل أساسيّ على عدة أشياء تتطلب مني الذهاب والإياب وإجراء المكالمات الكثيرة، صار عالمي الداخليّ غريبًا عليّ.. صرت لا أفهم أشياء كثيرة تصدر أو لا تصدر منّي. لم أعد أعرف ما أريد بالضبط، بعد أن كان الأمر لا يصعب عليّ تمييزه. تكونت الكثير من العقد الجديدة التي لم يسنح لي الوقت فرصة أن أتعرف عليها، هجرت وقتي الخاصّ، الكثير منه، صار ينصبّ جلّه في التفكير والتخطيط والتفكير والمكالمات التي لا تنتهي. لا يروقني الأمر. يروقني بعض الشيء، ولكنّ الوضع برمّته غريب عليّ، أو أنا غريبة عليه. أريد أن أعود إلى حيث كان الاختباء يسيرًا، عندما كنت هباءة لا يعرفها أحد، أنزل أمشي عصرًا ووجهي مختبئ في الكتاب، أعيد قراءة القطعة مرّة بعد مرّة وأذوب في النصّ: أنا، والنصّ، والسّماء فوقي كمساحة للتأمّل. السماء كانت منفذي، والمكان كلّه ملكي. لم أترك عادة المشي العصريّة ولكن كلّ شيء تغيّر. ما عدت أشتهي تصوير أيّ شيء، كل الأشياء سواء، كلّ النباتات سواء، كلّ ما يشغل بالي هو الخوف من أن يخرج حيوان فجأة من مكان ما، أحفظ المشاة كلّهم لأنني صرت أتفرّسهم كما لم أكن أفعل قبلًا. ما عدت أشتهي أن أشتري الآيسكريم من ريالات أخبئها في بطن الكتاب.. ما عدت أطيق الجلوس في الحرّ لأستمتع بالقراءة مع الآيسكريم تحت تلك الشجرة، فوق ذاك الكرسيّ المرتفع، رغم أنّ الجوّ حلو هذه الأيّام. كلّ شيء صار.. مختلفًا. صرت أذهب هناك لأجعل الضوضاء تخرس قليلًا، لأدعها تتسرّب. أنظر للأشياء بعين مهمومة، وأمنّي نفسي أن تكون الحياة وفّرت لي الخيار الذي أحلم به. أشتم نفسي في سرّي لأنني لا أكفّ عن ذات الأمنية كلّ مرّة، كلّ يوم، وأودّ لمرّة واحدة أن تحبّ هذه الخرقاء الحياة الجديدة التي وضعت نفسها فيها وأبلت فيها حسنًا، وكانت تملي على نفسها من قبل أنه ينبغي أن تجري الأمور بهذه الطريقة. عنيدة، خرقاء، ومدلّلة. 

هل ينبغي أن أكون هباءة لا مرئيّة، بشكل يشبه حجمي الحقيقي، وقوّتي الحقيقيّة، ومكانتي الحقيقيّة في عالم واسع شاسع؟ أم أنّ "فيّ ينطوي العالم الأكبر"، والكون كلّه من الممكن أن ينصاع لي لو أنني أردت حصول شيء ما بقوّة؟

أين أنا؟ من أنا؟ هو آم آي؟ (على لسان جان فالجان في فيلم البؤساء)

يقول ديستوفيسكي؛ أحيانًا لا تترك لنا الحياة خيارًا إلا أن نكون جديرين بآلامنا. أتساءل كيف يمكن لي أن أكون جديرة بآلامي، آلامي الحقيرة التي لا تفتأ تنهش فيّ، مهما بلغت منّي اللامبالاة مبلغها. حقيرة نعم، ولو أنني أدين لها، قليلًا، لأنها تذكرني أنني ما زلت على قيد الحياة، وأنني "ما متّ بعد، لم يزل في أضلعي برق ورعدُ". أكره أن أتألم، أحب أن أحيا، والألم كل الألم هو ما يسلب منّي حقي في الحياة. 

السبت، 19 نوفمبر 2016

في ختام الإجازة،


انتهت الإجازة تقريبًا. انتهت فعلًا.. الساعة الواحدة تماماً بعد منتصف الليل من آخر أيام الإجازة، الإجازة التي كنت أحتاجها بشدّة، وقمت باستغلالها بأفضل ما يكون كما تقول أمّي.

لست أعرف ما الذي أتى بي هنا، ولست أحمل أيّ فكرة أنوي الكتابة عنها.. كان من نصيب الاسترخاء ومحاولات الهدوء في هذه الإجازة القصيرة هو امتناعي عن التفريغ، فالكتابة بالطريقة التي أفعلها هنا منهكة جدًا بالنسبة لي، خصوصًا بالطريقة التي كتبت بها آخر ما كتبت. كنت أنقش الآلام التي حصلت، وأحاول أن أستخرج الوجه الأبيض من كل تلك الجراح التي ما برأت بعد. اقترفت جريمة. كان ذلك قاسيًا جدًا، ومنفّرًا كفاية من هذه المنطقة التي اعتدت أن أسرد فيها الأفكار التي تتسلّل طواعية، لا التقطيع والتنكيل بجراح قديمة في محاولات ظننتها تسارع بالتشافي.

كانت إجازة ممتازة تقريبًا، كلّ يوم فيها له قصّة سعيدة، ولكن بالرغم من ذلك، لست أشعر أنها جاءت بالطريقة التي أريد بالضبط. كنت أريد هدوءًا تامًّا وعزلةً تامّة، ولكن ما حصل هو أنني كنت في معظم الوقت محاطة بالكثير من الناس، أناس أحبهم، ولكنّ وجودهم -وإن كان منعشًا وحلوًا- جعل وقتي الخاص أقلّ، واضطرّني إلى افتعال ابتسامات كاذبة مرهقة وسماع كلام لم أختر الاستماع إليه، والكلام حينما لم أرغب بالكلام، والصمت حينما لم أرد الصمت. على كلٍّ، أنا شبه متعافية الآن من آلام الأشهر الماضية المرعبة الّتي أصنفها ضمن الأسوأ الّذي مرّ عليّ في حياتي. كانت أيّامًا شرّيرة بطريقة خفيّة، تفعل الأفاعيل ثم تظهر أمامي ببراءة بلهاء.. لم أستطع أن أشير على موضع الألم، كنت أتألّم وأنا لم أعرف أنّني أفعل حتى صارت الدموع تطفر من عيني، وردودي تستحيل انفعالات لم أعهدها من نفسي، والأصوات كلّها صارت تسبّب لي دوارًا، والكلام كلّه صار أشواكًا جارحة تؤذيني وتزيدني اضطرابًا. كنت تحت ضغط نفسيّ رهيب، من كلّ ناحية ممكنة، الأرض من تحتي، والأشواك من حولي، والسماء من فوقي.. السماء! الحمدلله أن الحياة أرحب من بعد واحد.

أقرأ الآن الرواية الثانية لإزابيل الليندي "دفتر مايا" بعد "ابنة الحظ" الرواية المفضلة عندي بلا منازع. هذه الأخيرة أسرت قلبي، وربما كانت لتفوز ما فازت به ابنة الحظّ منّي لولا أنها عنيفة بشكل مخيف أحيانًا. الأوصاف، كلّ الأوصاف فيها صادقة بطريقة فاتنة، والتفاصيل.. إيزابيل تجعل الأماكن والناس والنباتات والأشياء مجسّدة أمامي تجسيدًا، كلّ تفصيل أعيشه معها، أشمّه، وأتحسّسه. لم أستطع أن أهرب من قبل بفعل رواية كما أفعل مع ما تكتب إيزابيل، أوصافها البديعة التي لا تنتهي ولا تكلّ تأخذني صلب المشهد، صلب الأرواح والأمكنة، صلب البيوت، صلب الأزقّة، أشعر أنني في قلب العالم، عالم مايا، وأنني أمتصّ كل شيء داخلي. أشعر بزهوّ وأنا أتنقّل بخفّة الأرواح التي منحتني إيّاها هذه الرّواية.. أنا أنتقل بين عالمي وعالم مايا برشاقة الأرواح ذاتها، منذ الحرف الأوّل أنصهر داخل الكتاب، أذوب في تشيلوي، ثمّ أقفز قفزة رشيقة إلى بيركلي حسبما تريد لي إيزابيل، وأعود إلى عالمي بفعل نداء ماما الذي لا ينبغي أن يُردّ مهما تفُه الطّلب، أعود بعدها إلى تشيلوي، أنصهر مرة أخرى في ثوانٍ.. حيث أجد نفسي هناك، في قلب مايا، أقطن منزل العجوز المهترئ، أشرب حليب القرفة، وأتحسّس شعري الملوّن بألوان الطّيف، وألعب بفرو كافن، الكلب الظريف، بحريّة تامّة من الماضي، في حياة هادئة ذات إيقاع بطيء لا يوجد مثيله في العالم.

تقول ماما أنّ سياستي في التعامل مع الواقع خاطئة بينما كانت عيناها تحدّق صوب الكتاب الذي في يدي، وعندما استفهمت متعجّبة عمّا تقصد، أجابت: الهروب، أنتِ تتقنين الهروب! ابتسمت، ورغم أنّ ذلك لا ينبغي أن يجعلني سعيدة بأيّ شكل لأنّني أخذت شيئا يشبه العهد على نفسي بأن أكفّ عن الهروب كحلّ، إلّا أنني بحاجة إلى هذا المخرج الذي ما عدت أعرف كيف أنفذ من خلاله في الفترة الأخيرة، واستعدت ذلك الآن بفعل الرواية بمهارة بالغة، بخفّة عالية.. كتاب يتنقّل معي، لا يصدر أصواتًا، لا يلفت الأنظار..
الرّواية منفذي السّري، مهربي المؤقّت الذي أخاف أن ينتهي.. أنا أخاف ذلك فعلًا! من لي بقاصّة ماهرة تنسج أشياء تشبه التي تحدث في عقلي بمهارة حكواتيّ بارع في قصّة ممتعة ملوّنة تنضج بالصّدق والحبّ والحزن،، كالّتي تحكيها إيزابيل؟

لا أعرف بأيّ وجه ينبغي أن أعود لحياتي المتخمة بالمسؤوليات كما كانت قبل الإجازة، لست مستعدّة، خصوصًا لتلك الحمقاء الشمطاء الخرقاء البغيضة؛ الجامعة. يتجدّد كرهي لها ما دمتُ أتنفّس. أحبّ ذلك، أحبّ أنني أكرهها، لأنّها تستحقّ! أحبّ أنّني أعرف ذلك، وأقسم أنّني لن أنكره بعد اليوم. الجامعة بغيضة، الجامعة بغيضة، الجامعة كريهة، الحياة رحبة، والجامعة أضيق من حذاء بالٍ قديم، والوقت الذي أقضيه متكوّرة في ذاك الحذاء يؤذيني بشدّة، أتمنّى لو أنّ هنالك شيئًا غير مرور الوقت،، فتحةٌ ما، حبلٌ ما، فارسٌ ما- يأتي ليحرّرني منها لأهرب معه إلى أقصى ما أستطيع، ولا أعود. عليه أن يأتي بحصان رشيق، نركبه أنا وهو، وأقوم بقيادته أنا مستعملة الحركات الجديدة التي تعلّمتها في درسي الأوّل.. ذهبتُ وأنا ما كان ببالي أن أحبّ الفروسيّة، كان الأمر كلّه مدفوع بفضول ورغبة في تجربة الأشياء الأخرى المعدودة الممكن فعلها في هذه البقعة الخانقة من الأرض، وانتهى الأمر بالعشق وحده لذاك العالم الحلم. أريد أن أصبح فارسة، أن أسخّر حياتي بين تلك الحيوانات العجيبة، لولا أنّني أضعف مما ينبغي وأكثر جبنًا ممّا يليق بفارسة.. كان محرجًا كم خفت الاقتراب من الحصان، وكيف أنني ما استطعت قيادته من سياجه إلى الإسطبل بعدما ركبته ووضعت ثقلي كلّه على ظهره. يا ربّ حررني من فوبيا الحيوانات الّتي تحرمني نصف المتع على هذه الأرض. 

رغم كلّ الأشياء التي ستطلّ عليّ كصرارصير مقزّزة في غرفة عقلي الّتي ما كدت أنظّفها في هذه الإجازة الأقصر من ظفر نملة، إلّا أنني أشعر بفتور غريب، واستسلام مغلّفٍ باللّامبالاة. فلتفعل بي الحياة ما تفعل، لا شيء عندي لأخسره. فليمضي ما سيمضي كما يتبدّى له، لن أّهتمّ (أعلم أنني سأهتمّ، ولكن هذا ما أشعر به الآن.. على الأقلّ). قال بوبو (جدّ مايا) عندما رفض العلاج بالكيماوي وآثر العيش بهدوء في آخر أيّامه: "ما الذي نجنيه من الصّراع مع الموت، ما دام سيكسب عاجلًا أم آجلًا؟". قياسًا على ما قال بوبو، أقول: ما الذي أجنيه من الصّراع مع الحياة إن كانت ستأتي بالطّريقة ذاتها؟ إن كانت ستفرض سننها كلّ مرّة؟ إن كانت ستحمل الابتلاءات هونًا أو كرهًا؟ إن كانت ستتعسّر أو تلين حسبما هو مكتوب منذ الأزل؟
فلتفعل بي الحياة ما تفعل، أنا لست إلّا زورقًا مهترئًا متعبًا ومستعدًا للطّفو..

أريد أن أذهب إلى تشيلوي، حيث مايا، مايا التي أكبرها بشهرين.. أتوق إلى هرب شبيه، حيث الحياة أكثر هدوءًا والعلاقات أكثر تخفّفًا. في اللحظة التي أشعر بها باستسلام شبيه، يراودني حدس عجيب بأنّ ما كان يتقافز داخلي رغبة بالحصول سوف يأتي جاهزًا ومستسلمًا كهديّة مغلّفة، وكأنّه كان يتمنّع من باب (التغلّي)،، ينتظرني لأستسلم أنا فيستسلم هو، كعاشق أحمق لا يعرف المبادرة. أشعر أنّ غيمة ما ستأتي تظلّني، ثمّ تفلت حبالًا سماويّة فوقي تنتشلني دون مقدّمات، وتأخذني إلى حيث أريد لي أن أكون.. وكأنّ الحياة تريد أن تبطل أهزوجة: من جدّ وجدّ ومن زرع حصد بشكل تامٍّ في عقلي، تريدني أن أسائل كلّ شيء وأطرح كلّ شيء وأعيد صياغة الأشياء كلّها من جديد، لأنتهي بالإيمان الخالص وحده.


 يا ربّ إيمانًا خالصًا نقيًا يحملني كبساط ريح ويظلّلني كغيمة، ويأخذني إلى سماواتك الرحبة.

تصبحون على إيمان، تصبحون على طفو