الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018

عصفور

لا أريد. كل ما أعرفه هو أنني لا أريد. لا أريد! أتسمعون؟

ذهبت إلى الجامعة اليوم، في أول زيارة لي بعد التخرج، راجية من خلف ذلك أن يتأكّد هذا الصوت الذي يصرخ بداخلي كعصفور يحتضر.
هف هففف (هواء)
 تنفس يا حبيبي، يا صوتي، يا صوت قلبي، تنفس واشرب الماء، وعِش، وانتعش، واعذرني عن.. القسوة والإلجام والتشذيب والتهذيب والتكذيب والتهرّب و..

اليوم جئتك يا فؤادي أعترِفْ، 
أنا من سقتك [الخوف] ألوانًا وقالت لا تخفْ، 
حبستْ [صراخك] يوم غار النّصل
أوغلَ
غصّتِ العبَراتُ،
جفّ الحلقُ جفّ.
وأقولُ جئتُ لأعترفْ..

ذهبت لأسعف هذا العصفور الحزين.

دخلتُ، وكنتُ أرجو أن لا أكون مرئية. ارتديتُ نظارتي الشمسية -كما كل بنات جامعتي- داخل المبنى، حيثُ لا شمس، بل أسقف، ووجوه. كنت أحتمي من الوجوه وأحتمي من المعرفة. شعرت أنني ذاك الماء الذي طفح من الإناء، أو ذاك الغصن الزائد الذي ينبت فوق رصيف حجري. كنتُ زائدة، وأشعر بشيء من توجّس؛ توجّس من هذا العود رغم التجاوز، وهذا الانحناء رغم الوقوف. كنت أخشى أن يتلو أحدٌ  في نفسه  عند رؤيتي شيئًا من قبيل: ما بالها تزور الجامعة؟ أهي تفشل خوض الحياة دون الجامعة إلى هذا الحد؟ ولأن موقفي كان متطرفًا من الدراسة، إنها لجريمة أن أفكر بالشوق.
كنتُ أخشى أن أبدو كذلك الشاب الثلاثيني الذي يحنّ لحياة الجامعة التي ضاقت عليه في liberal art، وأن أبدو مثله، أحاولُ ارتداء رداء قديم ضاق عليّ، وعديمة حيلة. لم يكن الأمر كذلك، ولكنني كنت أخاف. فقدت ثقتي بالوقوف وحيدة في هذه الحياة حدّ أنني صرت أحسبُ كل صيحة عليّ، وأنني أستحق هذه التهم.

أنا لا أكره الجامعة، ولكن المشاعر ملعو**. أعني، كبرتُ على هذا الكبرياء غير المبرر تجاه كل ما أتركه خلفي. ليس عيبًا أن يتفحّص الواحد فينا ماضيه، ويستقي منه ما يدفع به نحو الحياة القادمة. في الجامعة، هناك من أحبهم وأثق بهم، هم من كانوا ثروتي فيها، وسلاحي، وملاذي، وهم وحدهم من استثمرتُ في علاقتي بهم أيام دراستي، ولجأتُ لهم في أحلك الأوقات، وكببتُ على طاولاتهم همّي، واقتنصتُ لزيارتهم أوقات فراغي، ولا عيب.. لا عيب أن يتزوّد الإنسان من زوّاداته القديمة، ولا أن يعود خطوة تدفع به للمضيّ خطوات وخطوات، أليس كذلك؟

حسنًا، ذهبتُ..
ولأن المقهى الذي كنتُ أودّ الإفطار فيه كان مزدحمًا ويغصّ بطالبات الجامعة، حيث لا نفس (ياللهول!)، توجهت إلى الجامعة، ووصلت باكرًا. اشتريتُ الكرواسان الذي اعتدتُ شراءه، وشاي أحمر بالنعناع. ازداد سعر الشاي ريالًا. شربته دون سكر للمرة الأولى في الجامعة بعد إقلاعي عن شرب الشاي بالسكر. طعم الشاي رديء، وطعم النعناع رديء. كان السكر يخفي رداءتهما. حاولتُ أن أستغلّ ربع ساعة الانتظار في الرسم. أحضرتُ، مع ما أحضرتُ، ألواني الحبيبة وكراستي، حتّى لا يمرّ وقت ضائع دون فعل شيء؛ فالتلوين هو الملاذ حينما يكون رأسي صاخبًا بشكل لا يسمح بالقراءة. التلوين هو أقراصي المهدئة، حيث تنساب أفكاري مع كل ضربة ريشة، وتتلوّى مع التوائها، وتنسجم بانسجام الألوان التي تمزجها معًا، وتنحني بانحنائها، وتتلاشى فيما يتلاشى من الألوان عند إضافة ماء. بالتلوين، أصهر أفكاري كما أصهر الألوان، أذيبها، وأجعلها تنساب حرة عبره، دون آلام بطن، دون حركة أرجل قلقة، دون ذهاب وعودة في خطّ مستقيم واحد. عيوني في الكراسة، يمناي مع الفرشاة، وأفكاري تتسلل، وتنسلّ، وتذوب.

انتهى وقت الانتظار سريعًا. كان الكرواسان لذيذًا، "سادة" كما أحببته دائمًا، وأبيض، وغضّ باللب، ودافئ كأيدي الجدّات. ألمّ أغراضي على عجل، وأحمل كوبي، وحقيبتاي، وأرتدي نظارة الاختفاء من..؟ وأمضي. أذهب إلى فوق. أنتظرها لأن عندها فتاة أخرى. تخرج وتستأذنني لإحضار كوب قهوة فأذهب لإحضار كوب ماء. أرى في طريقي من إحدى الشبابيك أستاذة مادة الدراما، ألوح لها بيداي وأذهب إلى مكتبها وأسلم. كانت منسجمة في كمبيوترها تكتب وتمحو، والقلق بادٍ من عينيها. تخبرني: لم أجد محررة لكتابي حتّى الآن. نتحدث حول كتابها، والقلق، ودور النشر، وأفكر: كم أحب هذه الأستاذة اليافعة، اليانعة، التي لا يطفئ البريق في عيونها شيء. أتذكر موعدي فأمضي سريعًا. أدخل. أكبّ قصتي على عجل، باستطرادات كثيرة وسرد لا موزون. تخبرني ما لا أود سماعه، ولا أبحث عنه، كالعادة، ولكنها، رغم كل شيء، تثير في ذهني أشياء. أودّ لو أعرف كيف تفكّر حيالي، وما الذي تظنّه حولي، وما الانطابعات التي تشكلها عني، ولكنّي أعرف -إن سألتها عن رأيها فيّ كبشريّة لا كمرشدة تقوم بعملها-  أن الأمر لن يعجبها. عندما دخلتِ الغرفة وهي تحمل كوبها الذي لم تشربه بعد، متعجلة وقلقة، أخبرتها: أشعر أن حصول الأمر بهذه الطريقة ليس إنسانيًا. أنتِ إنسان، وبحاجة لوقت راحة، ولشرب كوب القهوة في هدوء، ولأن يحظى ذهنك ببعض المساحة. أليس مضجرًا ومزعجًا أن تستمعي إلى قصتيْ حياة كاملتين في جلستين متتاليتين دون راحة؟ الإنسان كلّ لا ينفصل، وأنتِ هنا، وفي كل مكان، إنسان. يزعجها الحديث، فأسكت، وأتظاهر بأن الأمر هكذا، وأنها محقّة، وأجنّب فضولي حول انطباعاتها مع كل رفعة حاجب، وكل مقاطعة من قبلها لحديث لا تكتمل فيه أفكاري، وللآراء الشخصية التي تلقي بها، والنصائح  الخاطئة التي توجهها دون تقصٍّ، والتي.. لا تزعجني. أعني، أنا واعية كفاية حتّى أفرق بين ما هو بشريّ وما مهنيّ، فلا تتظاهري بانفصالك عن ذاتك الحقيقية وأنت معي، رجاءً.

أخرج بخفّي حنين، كالعادة، دون ندم؛ لأنها خطوة لا بدّ منها قبل الإقدام على القرار، القرار الكبير. كلانا حاول. المهم أن نحاول. أذهب إلى قسم القانون، بنظارة شمسية ووجه منكفئ نحو الأرض. أدخل غرفة أستاذتي الأثيرة، وأجدها، لحسن حظي، في المكتب. نتحدث، وأحكي كل شيء. تخبرني: معك حق، نعم، صحيح. الحياة واسعة، وأنت تستحقين الأفضل. يبرُد قلبي. تخبرني أن الكتاب الذي أهديتها إياه في آخر لقاء لنا أعجبها، وأُسَرّ. نتبادل أسماء الكتب، وأسماء أشياء كثيرة. تؤكد على سعة الحياة، وأن هناك الكثير مما يمكن فعله. نمشي، ثم نجلس فوق طاولة. أستأذنها أن أتربّع فوقها، ثم أستأنف: أوه! أصلًا ما عدت طالبة. ونضحك. حميمية هي تلك العلاقة مع الأساتذة الذين نحبهم عندما تنتهي علاقة الأستاذية وتستحيل إلى صداقة نقيّة، دون درجات، دون حرمان من تبادل الهدايا، دون شكوك وريب ممن يرانا نتحدث بانسجام وانسياب. نتبادل ماهو شخصي وما ليس بشخصي. ونضحك.. نضحك كثيرًا. أختم حديثنا بقول: أنتِ أحسن وحدة. أحتضنها، وأودّعها، وأمضي بوجه راضٍ، وسعيد بهذه العودة التي شحنت ذخيرته للمضي بابتسامة واثقة وعزم على اتخاذ ال ق ر ا ر. ليست كلُّ عودةٍ عودةً، وليست الحياة خطًا مستقيمًا نمضي فيه أو نتراجع، بل هي شيء أكثر صعوبة وتعقيدًا من القدرة على التخلي عن أركاننا الثابتة، مهما كانت عتيقة.

أشاهد على الغداء المزيد من المقاطع التي يتحدث المتحدثون فيها عن تجاربهم الوظيفية، وحياة ما بعد الجامعة، عن ندمهم، ومخاوفهم الكاذبة، والأصوات الضئيلة التي كانت ينبغي أن تعلو، والعصافير المخنوقة التي كانت ينبغي أن تنطلق، ونظرتهم عن الحياة بعد عقود وعقود من اتخاذ قراراتهم الوظيفية الأولى، وأتنوّر، وأزداد تنوّرًا، وأحب معجزة تكوّم الخبرات فينا أكثر وأكثر، وأحب أن التيه يقودني إلى هكذا أشياء؛ إلى تتبع قصص الناس، وفحص تجاربهم، والتنوّر بكل ذلك..
أحبّ كل من قادني التيه إليه لسؤاله عن تجاربه الدراسية والمهنية والشعورية عندما كان في موقفي أنا، وكل من سألتهم بخجل أن أقابلهم/أتصل بهم للسؤال عن.. وعن.. وكيف..، فقابلوني بالترحيب، وسمحوا لي بالولوج في حياتهم بمنظار متفحّص وأسئلة لا تنتهي.

هذا التيه ليس مقلقًا، بقدر ما هو مدهش.
 أن أمتلك القدرة على التجوّل، والسؤال، والتتبع،
 ثم أمتلك القدرة على الفحص، والتحليل، والاختيار،
ثم أمتلك القدرة على الرسم، والخط، والبناء؛
أن تكون الحياة في يدي،
 أن أكون، بما أريده أن يكون فيّ، وما أريد أن أكونه،
 أن أمحو وأضيف، أن أقبل وأرفض، أن أقرر وأحجم عن القرار، أن أقضي وقتي في عمل ما، أو لا أقضي وقتي فيه، أن أكون إنسانًا يختار، أو لا أكون.
أن أصنع نظرتي ونظارتي تجاه نفسي والكون والأشياء والأعمال، وأمضي.. وفقًا لها؛
أن أجرب، لأنه ما من مناص. أن أسأل، لأنه ما من دليل.
هذه الرحلة الاستكشافية البنائية الخلّاقة، ساحرة بقدر ما هي مربكة، ومدهشة حد خطف الأنفاس وجفاف الريق واستحالة النوم، وكل شيء فيها محتمل، والإيمان فيها حبل وأمان.

أدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أنني أحب حريتي، وأخاف أن أفقدها، وأحب أن أكون، وأن أرى بعيوني، وأن أسمع بأذنيّ.. وأحب أن رأيي يمكن أن يكون صحيحًا بقدر ما تكون الآراء الأخرى، واختياراتي في الحياة يمكن أن تكون حكيمة جدًا، وصحيحة جدًا، بعد كل هذه التحرّيات، مهما قال القائلون، المهم، أن أتقصّى، وأختار جيدًا، وأستشير، ثم أمضي. لا كراسة تقييم، ولا شهادة، ولا درجات.

 أحب هذا، والله أحب كل هذا، ولطالما انتظرت اللحظة التي لا يكون ينبغي فيها علي أن أفعل شيئًا ما؛ أن أنهي مرحلة ما، أن أعلف معلومة ما، حتى أختار. ياااه، كم من العمر انتظرتُ هذه اللحظة، حيث لا قيود، ولا التزامات؛ حتّى أفكر بعقلي وقلبي الخالصين؟ أيُعقل أن ألجم فيها هذا العصفور، وأجرّعه فيها العلقم، وأنا التي ما فتئت تصيح وتنوح وتزأر بحقة في الحياة والمضيّ حيثما يريد، وكيفما يرى هو..
أن يطير في الأفق،
أن يفرد جناحيه،
أن يتحرك صعودًا ونزولًا،
ودورانًا إن أراد،
أن يحلّق،
أن يغرّد كيفما اتفق،
أن يطير،
لأنه خلق من أجل أن يغرّد، ويطير،
أن يقوم بدوره، ويساهم في هذه الحياة، دون زيف ولا تنكّر،
أن يكون،
بأقصى ما يمكن له أن يكون.






يا أيّها الرّهَقُ المسافر في دمايَ
ويا نزيف الجرح
قفْ.





الأحد، 25 مارس 2018

عن مرحلة التدريب، وأشياء أخرى

زمان..
منذ ٥ أشهر لم أوثق شيئًا من حياتي، هنا أو في أي مكان آخر، إلا فتات كلام. فقدتُ إيماني بهذه المساحة، أو ما عاد لي نفَس للسرد الطويل فيها. صارت حياتي تشبه حياة أولئك الكبار المشغولين بدوّامة الحياة التي لا تتوقف، بشكل آليّ، غريب ومسخ.

لستُ واثقة إن كنتُ لا زلت أستطيع أن أوثّق المرحلة الشعورية التي أقف منها، أو أن أنظر إلى ما يحصل داخلي وخارجي من فوق، بمنظار بعيد محايد يصف كل شيء وكأن كل شيء يحيط به ولا يمسّه.

كان من ضمن ما حصل في الفترة الماضية من حياتي هو ذهابي لدوامين في اليوم: أذهب إلى الجامعة صباحًا، ثم أذهب بعدها مباشرة إلى المكان الذي أتدرّب فيه، ثم أعود لأذاكر ما يتسنّى لي، وأنام. هكذا يمرّ يومي دون إضافات، دون التعرض لمصادر معرفية أو بشرية أخرى تفتق في بالي أشياء أحبها، تشعل حماسي أو غضبي.. لا شيء من ذلك كله. حياة مفرطة في الجدية متكدسة بتفاصيل لا أملك اختيارها. انقطعتُ عن القهوة مذ بدأتُ هذا الروتين، منذ أول يوم فيه وحتى اليوم لم أشرب إلا كوب قهوة واحدًا. صرتُ أنام مبكرًا وأستيقظ مبكرًا لأول مرة في حياتي منذ كان عمري ١٤ سنة، ولا آخذ قيلولة في منتصف اليوم لأنه ما من وقت، أقابل أساتذتي ثم رؤسائي في العمل، وزميلات الفصول ثم زميلات غرفة المكتب، وهؤلاء وحدهم هم من يحيطون بي، وهم وحدهم من امتلأت ذاكرتي بأحاديثهم، ولم يكن ذلك يعجبني تمامًا، لأنّه ما من شيء يشبهني، أو حتى يعجبني من الأحاديث التي تتلى في كلا المكانين، ولم أكن في كليهما أشعر بانتماء تام لشخص ما، ولا أتبادل أفكاري التي تهمني ومشاعري التي تعنيني مع أحد منهم. دائمًا محترزة، أرتدي ابتسامات صفراء وأتفوّه بكلمات مجاملة، ويبدو كلامي غريبًا بالنسبة لهم لأنني أتلفظ بكلمات مضحكة، كما تقول زميلتي في العمل.

لم يكن الأمر سيئًا إلى ذلك الحدّ، أعني، في مكان عملي. دعوني أصف لكم شيئًا مما كنت أمرّ به. أخرج من سيارتي التي أقلتني من جامعتي إلى مكتبي وأنا أحمل ٣ حقائب ثقيلة يكاد معها كتفاي أن ينخلعا: حقيبتي اليدوية، وحقيبة اللابتوب، وحقيبة طعام الفطور والغداء مع حليب محفوظ في كرتون، ولبن إن أبت معدتي أن تستقبل شيئًا من كلّ ذاك الطعام. أذهب إلى الشاشة لأضغط زر المصعد فتشير إلى أحد المصاعد من جهة اليمين أو جهة الشمال. أدخل مصعدًا اختارته الشاشة لي، مع الكثير من الأناس المشغولين الذين يرتدون سماعات موصولة بهواتفهم، أو يتبادلون الحديث عن صفقة ما، أو أي شيء متعلق بالعمل، بالإنجليزية أو العربية، بلهجة جداوية، أو مصرية، أو لبنانية، ويرتدي معظمهم بطاقة معلقة بشريط أحمر على رقابهم لتشير إلى هوياتهم. تحدثت في المصعد ٤ مرات فقط؛ مرة مع رجل عجوز سألني دون مقدمات عن مكان عملي، وعندما أخبرته بالمكان، حكى لي بأنه يعرف رئيسي وأنهم كانوا يعملون معًا في... ثم انقطع خط الحديث لوصولنا، وفاجأتني مرّة إحداهنّ بسؤالي عن حاجة شركتنا لموظفة تمويل، دون أن تعرف من أكون، وأين أعمل، ومرة ثالثة عندما دخل معي في المصعد السكرتير الهندي الذي يعمل في مكتبنا وسألني عن رضاي عن العمل، ورددت بنعم، إلا أنني لست متأكدة أنني سأكمل حياتي بعد التخرج على ذات المنوال، فرد عليّ بأنّ المهم هو أن تضاف هذه الخبرة إلى سيرتي الذاتية، ووددت لو امتدّ الوقت أكثر لأخبره بأنني لا أكترث بالسيرة الذاتية ولا بترهات من يطمح للعمل في منشأة تدار بطريقة هرميّة.

أصل إلى دور شركتنا، أقترب من الباب لأضع بصمتي، فيسلّم عامل النظافة الواقف خارجًا لأنتبه لوجوده وأردّ السلام، أبصم، أبتسم للكاميرا التي تلتقط وجهي عند وضع بصمتي، أدخل، أسلم على موظف الاستقبال، تدخل جزيئات رائحة معطّر المكتب -بعدما أتجاوز غرفة الاستقبال- إلى رئتي دفعة واحدة بشكل غريب ومفاجئ كل مرّة حتى أنّني أغمض عينيّ،  وأبتسم، وأفكر: أحب هذه الرائحة لأنها ترتبط بهذا المكان، وأنا أحب هذا المكان. أمشي ممرّ المكتب الطويل، أتفحص الآتين بالنظر بأطراف عيوني إلى مكاتبهم المرتصّة على طول الممرّ يمنة ويسرة، أسلم على من أجد في طريقي وأبتسم له، أدخل غرفة مكتبنا الموجودة في آخر الطريق، أدق الباب، وأفتحه وأسلم وأسأل عن الحال دون أن يجيبني أحد، أذهب إلى مكتبي بجانب الجدار الزجاجي الكبير المطلّ على مبانٍ ممتدّة شاسعة وشارع تمرّ فيه السيارات كنمل، أضع حقائبي فوق المكتب، ثم أتكّئ على الجدار الزجاجي برأسي وأتأمل، وأتذكر آميلي نوثمب والجدار الزجاجي الذي كانت تتأمل من خلاله العالم في شركتها في اليابان. أحب مكتبي اللصيق بالجدار الزجاجي هذا، وأحب أن بجانبي دائمًا نافذة للأزرق والممتدّ والمتحرك عندما يضيق بي العمل، وتتجمّد معه دواخلي. مكتبي تعلوه كتب، وتحيط به، وتختبئ من تحته، لأن عملي في قضية كبرى ما، لنسمّها (القضية الكبرى) كان ينصب على البحث، ولا أعرف لم يحب أن يوكّلني الجميع بمهامّ بحثية في هذا المكتب، ولذلك، هناك تحت الكتب المتراكمة، يوجد فهرس المكتبة الذي لم يسألني عنه أحد، منذ أول يوم وحتى آخر يوم.

استلمتُ فهرس المكتبة من محامٍ سوريّ كبير في السنّ يعمل عندنا في فهرسة الأوراق والكتب، يمشي بهدوء وصمت حاملًا كتبًا وأوراقًا من مكان إلى آخر على كرسي ذي عجلات، يتكئ عليه ليمشي، وليحمل عليه الكتب. سألتُ زميلاتي في الغرفة عمن يكون ولم تكن أي منهنّ تعرف اسمه أو وظيفته. كنتُ أبحث مرّة عن مصدر تعذّر عليّ الحصول عليه، فأخبرني أحد المحامين أن أسأله، سألته وأنا لا أظن أنه سيفهم ما أقصد، ظننته ينظّف، أو يرتّب، إلا أنه بعد تكرار الجملة لأكثر من مرة، أحضر لي الفهرس، وأشار لي إلى الكتاب الذي أجد فيه ضالّتي، ووجدته فعلًا، ودهشت لذلك. وبينما أنا أتصفّح الورق، مدّ لي كرسيّه، هو محنيّ الظهر، لأجلس عليه وأنا أقرأ، ونبهني كثيرًا إلى عدم حني ظهري حين القراءة أو الجلوس. كان كريمًا جدًا معي. بعدما أخذتُ الكتاب، وضع بقية الكتب المطبوعة تحت ذات السلسلة وأحضرها فوق كرسيّ ذي عجلات إلى مكتبي، وأخبرني أن أتصفحهم في أوقات الفراغ لأن ذلك سيكون مفيدًا لي. شكرته وشكرني. عندما أردتُ سؤاله عن اسمه قلتُ: دكتور، أستاذ؟ فضحك وقال: انتِ الدكتورة، الله يخليكِ، ولم أعرف اسمه إلا عندما فتشت في سجلّ الموظفين. وبعد هذا الموقف، كنتُ أسلم عليه حينما أجده في طريقي ولا يردّ علي، فأشعر بالحرج. بعدما فهمتُ أن سمعه ضعيف، سلّمتُ عليه مرة بصوتٍ عالٍ، فسمعني، وسألني عن اسمي وأجبته، وتبادلنا السؤال عن الحال. في نهاية اليوم، أرسل لي عن طريق (دادة) المكتب كيسًا يحوي ٣ قراطيس بسكوت. ضحكت من قلبي، وتورّدت الدنيا في عيوني، وشعرت أن الحياة تحمل على متنها أناسًا تذوب الدنيا لعذوبتهم، وفهمتُ بأن هذا الجدّ الطيّب الذي لا يبالي بوجوده أحد، ولا يعرف اسمه أحد، يسعده السؤال، وأنه لا ينبغي أن أبخل بشيء هكذا أبدًا. بعدها بعدّة أيام، كنت أمشي في الممر الطويل مستعجلة، أحمل ملفات تعبت في تصنيفها، فوقعت من يدي وتبعثرت في الأرض. ولأن ترتيبها كان يتطلب وقتًا، جلستُ على الأرض، وشرعت في التصنيف بسرعة وقلق لألحق ما سيفوتني. رآني على تلك الحال، فلملم أوراقي هو معقوف الظهر، ووضعها على مكتبه الذي سقطت أوراقي على مقربة منه، وأمرني: رتبيها من على مكتبي ريثما أذهب لأصلي، لا يجوز أن تجلسي على الأرض هكذا، وأنا بدوري كنت أذوب رغمًا عن بقية تفاصيل يومي التي تجعل كل شيء في يتحجّر.

شخص آخر كان يصنع يومي ويجعلني أضحك من قلبي هو :سولة، الدادة التي تعمل في المكتب. امرأة خمسينية أندونيسية خفيفة الظل طيبة القلب، تحب الجميع ويحبها الجميع، وتعرف أخبارهم وتفاصيل حياتهم، ولا تتوانى عن إخباري بكل شيء يخصهم، وأنا أضحك طبعًا، وأحبّ ذلك. تساعدني سولة كل يوم لإيجاد مكان آكل فيه، وكان ذلك أول المواقف التي خلقت الثقة بيننا. عندما أحضر حقيبة الأكل بجانب الميكرويف وأخرج منها غدائي تسألني بصوت يسمعه أبعد مكتب: إيش طبخت أمك اليوم؟ وأخبرها، فتعلّق بأي جملة تخطر على بالها. أحمّيه، ثم أشرع في دوامة الحيرة التي تتكرر كل يوم: أين آكل. ولأنني جربت أن آكل في مكتبي ووجدت انتشار الرائحة محرجًا، أنا التي تكره روائح الطعام التي تخرج من غير طعامي، كنت آكل بإشارة منها في أماكن ليست معدّة للأكل، وعندما أرفض أن أذهب هناك خوفًا أو حرجًا، تقول: على مسؤوليتي. اذهبي هناك وأنا سأحضر الأكل. أذهب هناك وأنا أرجو أن لا تتلقفني الأعين حتى تأتي هي بأطباقي. آكل وأنتهي، وأحضر الأطباق مستعجلة إلى المطبخ، فترمقني بنظرة انتصار ورضى لأنني أكلت مرتاحة في مكان منعزل كما كنت أريد، وأن المهمّة نجحت دون أن يكتشف ذلك أحد. أبادلها النظرة وأنا أضحك، وأظن أن من يلحظ نظراتنا المتبادلة تلك يظن أننا قمنا بجريمة ما. تقوم سولة كل يوم بتحضير شاهي بالنعناع لي. أذهب بشكل آليّ إلى المطبخ لصنع كوبي كما أفعل في المنزل، فتخبرني بأن أعود إلى مكتبي لأنها هي ستحضّره لي. ثم تنسى، وتحضره بعد نصف ساعة، أو ساعة. عندما أنتظر شيئًا أو شخصًا، أذهب هناك وأجلس معها لنتكلم. تحكي لي وأحكي لها. تسألُ وأجيب، وأنا أعرف أن هذه المعلومة سيدري بها كل شخص يعمل في هذا المكتب. تحكي عن أطفالها والعائلة الحضرمية التي كانت تعمل عندها، وتتلفظ بألفاظ مضحكة على لهجتهم، وأحكي لها عن الجامعة ومخاوفي عندما يكون بانتظاري شيء ما.. مخيف. عندما تراني مهومة تقول: أنا زي أمك، فضفضيلي. فأفضفض لها، لأجد الاستفهامات تحوم حول عينيها وأنا أشرح تفاصيل معقّدة، فأختصر ذلك بأن أسألها أن تدعو لي أن يمضي الأمر على خير، فتدعو وهي مقطّبة الجبين، مهمومة بهمّي. عندما أنتظر محاميًا طال حديثه مع آخر، وتراني من حيث هي وأنا أنتظرهما حتى الملل، تذهب وتدقّ عليهما الباب، وتخبرهما بأن يختصرا، لأن هناك من تنتظر، وأنا أشير لها بيدي أن لا داعٍ لذلك، ولكنها تستمرّ، فينهون حديثهم لأجلي. أدخلُ إلى المحامي وقلبي يفيض امتنانًا إلى هذه المرأة التي تيسّر أموري وتعتني بتفاصيل صغيرة تهمني كما لو أنها أمي. ودعتها قبل الأمس بحضن سريع، بعدما ناولتها الفهرس لتعطيه للعمّ السوريّ الذي مشى مبكرًا قبل أن أسلّم عليه. لها وحدها سأشتاق، هذه الجنديّة الخفيّة العظيمة التي كان أيامي تحلو بكلامها وحبها.

أما البقية، رؤسائي الثلاثة في العمل، فكانوا رائعين جدًا، وكرماء جدًا بأوقاتهم ومعلوماتهم معي، حملوني مهام حقيقية جدًا، وألقوا بعبء ثقتهم وإيمانهم عليّ، وكنت أحاول أن لا أخذلهم. أشعر بالانتماء لكل واحد فيهم، وأحب الفرصة التي سنحت لي بالتعامل معهم. كانت فرصة ذهبية ومثالية في حياة كهذه أن أحظى بأمثال هؤلاء في أوّل منصب جادٍّ جدًا أشغله في حياتي. أعني، الناس عادةً لا يحظون بمدراء رائعين إلى هذا الحدّ بهذه السرعة، ولكن الله كان، كما هو دائمًا، جوادًا معي بخصوص هذا المسألة. كنتُ أسأل عن كل شيء، داخل العمل وخارجه، وكانوا يجيبونيي ويستقبلون كل ذلك بحفاوة أحرج منها. فهمت فصلًا كبيرًا من الحياة بفضلهم، ورأيته بعيونهم، ورغم انزعاجي أحيانًا من ثقل الثقة التي ألقوا بها عليّ، كنت أشعر في ذات الوقت بالامتنان لأنهم دفعوني للخطو إلى تلك المرحلة. غادرتهم قبل الأمس فيزيائيًا، أي أنني سلمتُ مكتبي وحاجيّات العمل، وودعني المدير الكبير بوقفة وكلمات جيّشت مشاعري مثل: "غيرتِ نظرتنا للمتدربات"، "لكِ مستقبل واعد في المهنة"، "قمتِ بعملك على أكمل وجه"، "تحمّلتِ أشياء تفوق طاقتك"، أنا التي كنت دائمًا أشعر معه بالغباء والتقصير، ها هو ذا يقف لأجلي ويغمرني بلطف ما توقعته أن يصدر منه تجاهي. تعقّد لساني، وشكرت بخجل، وخرجت. رفض مديري الثاني أن أغادر قبل إتمام المهمة التي وكلها لي، ورغم انزعاجي ومحاولات سولة، أصرّ على موقفه، وبرّره بأنّه لن يحسن أداء ذلك غيري (أشكّ)، فذهبتُ محمّلة بكتب تعينني على أداء تلك المهمّة عن بعد فيما سيتقدم من أيام، وودعني بكلمة "بدّعْتِ" أسعدتني، هذا الذي ما شكر عملي إلّا مرة أو مرتين في حياته بكلمة (شكرًا) وحيدة، مرفقة بجملة تحوي أمرًا لتعديل ما فعلت.

غادرتهم قبل الأمس بقرار سريع اتخدته خلال يومين، فأنا قبل أن أفكر في هكذا قرار كنتُ أنوي أن أكمل كل الفصل الدراسيّ معهم؛ لأنني أحببتهم وأحبوني، ولأن هذا المنصب صعب المنال، ولأن الفرصة متاحة، ولأنّني انخرطتُ في أشياء يصعب معها أن أخرج يدي منها فجأة،، ولكن لأهداف أكبر وضعتها قبلًا، وراجعتها مع نفسي الأسبوع الماضي، تتعلق بالمستقبل والطريق الذي أودّ أن أشقّه فيه، ولأنني صرت خرقة بالية منهكة من اتحاد الدراسة والعمل على وعيي وتركيزي وصحّتي، ولأن قلقي صار يكبر قدرتي على استيعاب ما يصير حولي في هذي الحياة، قررتُ أن أتوقف، وكان القرارُ صعبًا، ولكنّي أظن أنه صائب. غادرتهم وأنا لا زلت أحبّ أن أكون هناك، وأنا ما زال فيّ نفس، وما زال فيهم سعة، لم يضق أحدنا بالآخر.. كان وداعًا حلوًا وعذبًا، سريعًا ومفاجئًا نعم، ولكنه جاء في وقته. ودعتهم لهدف يسمو على نفوري منهم أو نفورهم مني، هدف يخصني، ويخص السبب من وراء وجودي، وكيفية وجودي، مما جعل الأمر يمر هونًا على كلينا.

أنا الآن في إجازة، من عملي وجامعتي، لأعيد التفكير في كل شيء، ولأقوم بعمل ما تراكم عليّ من تكاليف الجامعة التي أدرتُ لها ظهري مع فترة التدريب. متحمّسة للتخرّج بقدر ما أنا قلقة، كل خطّة أرسمها يبدو أنها لا تتسق مع مزاج الحياة، ورغم أنني أخطط منذ أول يوم في هذا العام، إلا أنه يبدو أن القدر سوف يُعمل خطته التي أجهلها في نهاية المطاف. وأنا.. أتعلمون؟ لستُ أبالي. المهم أن تشبه خطة القدر إحدى خططي الخمسة، أو الستة، أو العشرة؛ أن لا أضيع في دوامة الحياة الرتيبة وداخلي يشعر بالعبث، أن لا أعلق بالعمل في مهام لا أؤمن بجدواها حدّ أن قلبي يتوقّف عن التفكير في مايظنّه مهمًّا، أن أتعلم دائمًا، وأعطي دائمًا، وأؤمن بجدوى ما أفعل.





السبت، 21 أكتوبر 2017

عن عيوني، وأشياء أخرى

أخيرًا صرت أرى بوضوح يكفي أن أميّز حروف الكلمات عن بعضها، وإن كنت لست أراها بوضوح تام، بعضها يدخل في بعض، أزيد حرفًا من خيالي وأنقص آخر.. لا زلت لم أتعافى بشكل كامل، إلّا أنني -يا الله!- صرت أبصر مرة أخرى. هذه مناسبة تستحقّ الاحتفال. لم أكن أعلم أن غياب الرؤية الواضحة مدة أسبوعين من الممكن أن يتسبب بكآبة وشعور بالعجز إلى هذا الحد، فقد أرتني الأيام أن كل شيء قيّم أفعله لعيوني فيه دور جوهري. كيف يعيش العميان ومن فقدوا أبصارهم؟ لا أستطيع تخيل ذلك. الحياة دون عيون أصعب/أشقى مما ظننت. هذا العضو العظيم المهيب، صاحب الفضل في كلّ فكرة وذكرى وصداقة وتصوّر ونشاط. ذاكرتي كلها صور، والذاكرة هويّة. العيون نافذة للعالم الخارجيّ، بها نجرّب العالم، نبصر بها المناظر الجديدة الجميلة، ندرك بها سعة العالم وضيقنا، امتداد الأفق ومحدوديّتنا، تلوّن الأشياء، أبعادها، أحجامها، مداها.. بها نقرأ عيون من نحب دون أن نكلّفهم عناء تشكيل المعنى في كلام، بها نرى شعاع أعينهم/قلوبهم أو خفوتها، دورانها عندما تجول في بالهم فكرة، أغوارها العميقة عندما تسلبهم من اللحظة ذكرى. يا حبيبتي يا عيوني!

قمت أخيرًا بعمل عملية (ليزر سطحي) لعيوني للاستغناء عن نظارتي الحبيبة الأثيرة الزرقاء الجميلة؛ وهي العمليّة البديلة عن (الليزك) لمن لا تسمح لهم تضاريس أعينهم بإجرائها، وقد كانت أمرًا شاقًا لجسدي ونفسي، مررت بأشياء أكرهها ولا أودّ استعادتها في ذاكرتي ما حييت؛ رغم أنّ تلك الأوقات الصعبة فتقت في بالي أشياء، وحثتني على التساؤل، وإيجاد إجابات، وتفكيك بعض الألغاز في حياتي وحياة آخرين. كل موقف صعب غربلة، وكلّ غربلة إعادة ترتيب، سد للفجوات، تفكيك للأشياء الملتصقة عبثًا، تنظيف وتنقية. صعبة هي الغربلة، جذرية هي نتائجها، ولا تعود الأشياء بعدها كما كانت، ورغم كل شيء لست أندم حصولها، وما حصل وأن ندمت حصول غربلة ما؛ ما دامت الأشياء بعدها تصير حقيقية أكثر، والغبار المتكدّس بينها ينفضّ، ويترك المكان من بعده خاليًا أي نعم، ولكن لامعًا، يعكس الأشياء كمرآة، ومستعدًّا لاستقبال جديد.

هناك الكثير ليقال..

هناك شعور ما يراودني بجنون، أكرهه أو أحبه، لا أعرف، ما أعرفه هو أنّني أكره أنه يحبسني، أو أنني أحبس نفسي داخله، ولا أظنّ أن ما أفعله يصحّ بأيّ شكل، ولست أظنّ أن لكل خبراء علم النفس عذرًا يستطيعون إيجاده لي؛ فاجترار الموقف بهذه الطريقة، وتقمّص الشعور المصاحب له كما لو أن الموقف يحصل للمرة الأولى- جنون كامل، رغم أن قدرتي على استعادة فترة زمنية قصيرة -حصل بعدها ما يكفي لتشويهها في ذهني-؛ تدهشني وتجعلني أعجب من نفسي.
أنا من أولئك الذين يؤمنون بأنّه للتخلص من حالة ما، أو شعور ما، أو فكرة مزعجة ما، ينبغي على الواحد فينا أن يجعلها تمر، أن لا تصطدم، بل تعبر، لأن عبور شيء لا يتمّ إلّا من خلاله.. أسمح للأمور تجول عقلي دون أن أدفنها، وأنا أكرر على نفسي أن المسألة مسألة وقت، وأنّ مصير الوقت العبور، وأن كل ما يصاحبه سيعبر وينتهي به المطاف خارجي، وصرت بهذه الطريقة لا أخاف من أحد، لا المشاعر الكريهة ولا المواقف السّيئة، ولا أمنع الذكرى التي أود نسيانها من تكرار عرضها في خيالي قبل النوم وبعد الاستيقاظ وبداية أوقات الخلوات، وذلك ينجح دائمًا، ويجعلني صلبة لا أهاب، إلا أنني صرت أظنّ أن في الأمر خلل..

بين الحبس داخل وهم الماضي، وترك الذكرى تجيء حتّى تعبر وتنتهي: شعرة دقيقة لم أفطن لها إلّا متأخّرًا.صرت أشعر أنني أسيرة للفكرة، حتّى أنني أجترّها إن لم تأتِ في موعدها، أو لم تجِئ بذات الكثافة المعهودة، رغم أنّني أكرهها وأمقتها وأصلّي لنسيانها،، كعبد تعوّد على عبوديّته حتّى أنه لا يطيق من بعدها الحريّة. أشعر أنّني ألِفتُها حتّى أن اليوم الذي ينتهي دون استعادتها يمرّ غريبًا، وإلف الشيء الذي ينبغي أن تنفِر منه خطير.
صحيح أن كثيرًا من المشاعر التي تراودنا تأتي دون إذن أو استعداد، إلّا أنّ الإرادة تتدخّل على حين غفلة وتمسك بالرّاية، وما دمت لا تراجع نفسك كلّ يوم، ستأخذ بيدك إلى حيث تكره، وستكون صاحب القرار في ذلك. كل شيء قرار. حتّى الشعور السّيئ في مرحلة منه يصبح قرارًا، والوعي به يجعلك تتركه حينما يتركك، لا أن تكمل مسيرته من بعده وهو الراحل الراحل.

 أحيانًا، يكون اجترار المشاعر وعلكها على أمل أن تفقد طعمها وتموت، يجعلها -بدلًا من ذلك- تكتسي ألوانها وتتبهرج في حماسة بالغة لعيش الدّور مرّة أخرى. أحيانًا، الاجترار المتكرر/المفتعل للشعور يجعله ينتقل من تأقيته إلى ديمومته.. تلتصق المشاعر الّتي تدعوها دون مقاومة بغراء، ظانّةً بأن إتاحتك لها بالجلوس مرات ومرات هي دعوة مكوث أبديّ. تفرد شباكها وتأخذ مكانها، تلتحم بجدار القلب وخلايا الذاكرة، وتصير جزءًا لا يبرح خيالاتك وأحلامك وحكاياك. ربما تكون إتاحة الشعور للمجيء مخاطرة بقدر ما هو كبته.

مرّ بي موقف سيئ نتيجة العمليّة التي حصلت، أمر لا دخل له بصلب العملية ولا الألم الجسديّ الّذي خلفته، إلّا أنه كان نتيجة ممتدّة ما حصلت إلّا بحصولها، تألمت بسببه بطريقة حاولت إخفاءها حتّى عن نفسي؛ لأنّه خلّف فيّ ضعفًا أستحي/أخاف الاعتراف به، ترك فيّ جروحه وآثاره التي لم تجعل الأمر يمرّ هونًا ولا عبورًا، إلّا أنّها، لثِقِلها الذي لا يُحتمل، فتقت في ذهني ووعيي أشياء. اتّبعت  هذه المرة استراتيجية لم أفقه كنهها إلا بعدما انتهت ونظرت إليها من فوق. ما فعلته هو أنني حينما شعرتُ بما شعرت، قمت بتجريد الموقف، واستخراج الفكرة، والبحث فيمن حولي عمّن يمرّ بذات الحالة، ثم البحث عن حلول ممكنة لتفاديها. كنت أحاول أن أراها من زاوية أبعد، أكثر حياديّة وموضوعية، لأعرف حجمها الحقيقي وأسبابها الحقيقية، وأجيب عن الأسئلة: هل أنا المتسببة في حصوله أم هو أمر عام وطبيعي؟ هل هي مرحلة أم حالة؟ كيف يمكن لها أن لا تتكرر مرة أخرى؟ ما الممكن والمتاح لصنع واقع أفضل؟ حاولت أن أُسكت الصرّاخ داخلي بالبحث عن إجابات، لأنّ المعرفة دائمًا حل. المعرفة ماء بارد شافٍ، والألم اشتعال، وإدراك كنه هذا وذاك يتطلب وعيًا، وحيادًا، وموضوعية، وجرأة للإقدام على الاكتشاف، وهمّة تخرجك من صلب الألم إلى اتساع الأسئلة. اطّلعت على مواد علمية متعلّقة بالأمر في الإنترنت، قرأت عن حالات، شاركني البعض مشاعرهم وشاركتهم، فتحوّلت المشكلة من موقف مؤلم إلى فضول متّقد، يبحث عن مشكلة حقيقية ويودّ معالجتها، مشكلة مجتمعية لا فردية، عامّة لا خاصّة، تتدخل فيها عوامل خارجية وعوامل داخلية، عوامل تاريخية وعوامل اجتماعية.. صارت المبادرات لحل المشكلة في ذهني تتداعى، أشارك الأفكار من أعرف ويهتمّ، حتّى لا تطير، حتّى لا يتلاشى الحماس دون صنع حل، وانتهى بي الأمر من شعور سيئ إلى رغبة عارمة في تحسين الواقع، وأعجبني ذلك. التجريد، والنظر بعيون بعيدة، والمعرفة.. هذه الأشياء الثلاثة هي أسلحتي الجديدة لتجاوز المشاعر السّيئة، ولستُ أظنّ أن هنالك من بعدها ما له القدرة على إسقاطي.

لطالما آمنت بلا جدوى المنافسة، وزيفها الّذي يجعل الفوز أهم من كل شيء. يقول Peter Thiel صاحب شركة PayPal في محاضرة له على يوتيوب اسمها Competition is for loser، أن خطورة المنافسة تكمن في أننا ننسى في خضمّها الأسئلة المهمة الّتي ينبغي أن نجد حلًّا لها، ويبقى سؤال الفوز هو المتصدّر الوحيد. الفوز، أيًّا كان نوعه، هو انتصار للذات، وطرح السؤال الحقيقيّ هو انتصار للحقيقة، وسعي صادق لجعل العالم مكانًا أفضل، وترك أثر، والمساهمة في تحريك عجلة الحياة نحو الأمام. في العام الماضي، شاركتُ في مسابقة دوليّة اسمها رنّان في الجامعة، وشكلُ المشارِكات فيها كلّ عام مبهر ولامع من الخارج ويُسيّل اللعاب للوقوف في موقفهم. شاركتُ، دون قصد أو خطّة. اختاروني فشاركت، هكذا ببساطة، وكان الأمر.. كارثة. ما كان يقرصني ويأكلني من الداخل في كل مرحلة من مراحل المسابقة تلك هو الشعور بالعبثية. كل التضحيات، كل الأذى النفسي والجسديّ والاحتكاكات الكريهة مع بعض البشر، لأجل ماذا يا ربّي؟ لحلّ سؤال وهميّ وضع لغرض التنافس؟ للحصول على اسم ما،، لقب ما؟ ما من هدف عالٍ كبير نبيل يجعل الصعوبات الّتي تواجهني في طريقي تهون لتحقيقه. يقولون أن هناك "مهارات" و"خبرات" من نوع مميّز يتعلمها من يشارك في مسابقات كهذه، ولكنّني لم أتعلم أيًّا منها، أو لنقل، ما كان الأمر يستحقّ خوض كل ذلك لتعلم بعض الأشياء التي يتعلّمها كل ساعٍ إلى شيء ما. ما تعلمتُه هو كيف أشعر بالعبثية في كل خطوة، وأن أحاول أن أقنع نفسي بأن الوقت والجهد الضائعين ليسا ضائعين تمامًا، لأنّه لا بدّ أن تكون هناك جدوى.. أعني، لا بدّ أنّني أتعلم شيئًا من خلف كل هذه المعاناة! ثم عندما أذهب لأنام، تشع الحقيقة أمام عيني ساطعة فاضحة، ولا مفرّ: أنا لستُ أفعل شيئًا ذو معنى. أقرر الانسحاب في الصباح، لأصحو متأخرة وأذهب إلى الجامعة جريًا، دون أن أمتلك الوقت الكافي لاتخاذ القرار، وتستمرّ حلقة العبثية حتّى ننتهي،، نحصل الجائزة، يشيد بنا الكل: الجرائد وحسابات مواقع التواصل.. تصلني اتصالات ومباركات لا تنتهي، أذهب إلى الجامعة فيحتفون بنا بكعكة كبيرة مكتوبة فيها أسامينا، وشهادات، وباقات ورد كبيرة.. كبيرة جدًا، و؟ ثم ماذا؟ هل هذا هو المجد الّذي يجري الكلّ خلفه؟ شكرًا، لا أريده. وقتي ضاع، عمري ضاع في دوّامة خالية من المعنى، تنتهي فتخفت، ويخبو كلّ شيء. المنافسة هي الشيطان الّذي يغوي بني البشر للسعي خلفه على حساب أداء مهامهم الأساسية. اجرِ وراء لقب ذو قيمة اجتماعية عالية، واترك فعل المهم. اسعِ خلف انتصارات ذاتك، افرح بسقوط الآخرين لتكسب أنت، زاحمهم لحلّ مشكلة واحدة صغيرة يتسابق عليها الكل، واترك ملايين المشكلات التي لا يدير لها أحد وجهه، لأنه ما منافسة عليها تجعل الحصول عليها لذيذًا.. ما من أحد ستتسلق فوق ظهره حتّى تصل. ما من لقب لامع ستحوز عليه، ما من جرائد ستحتفي بك، ما من جماهير تترقّب فوزك. هذا العالم مجنون! رجاءً، تفرّجوا محاضرة Peter Thiel لتفهموا ما أقول.

كتبتُ ما كتبتُ على جلستين منفصلتين على غير العادة. استعمال الكلام المكتوب لتفريغ الأفكار دون استعمال ذات الوسيلة للحصول عليها، يجعل الأمر شاقًا بعض الشيء. أشتاق القراءة، أكره هذا الغبش الذي يجعلها غير مريحة. آه يا عيوني عودي!

الاثنين، 11 سبتمبر 2017

عن الحج، وفقدان الذات واكتسابها.

صباح الخير أيّها العالم البديع. السّاعة ٨:٣٠ صباحًا، وأنا مستيقظة، أتناول فطوري وأقبل على صفحة إلكترونيّة بيضاء لتفريغ رأسي، أليس ذلك رائعًا؟ أشتاق هذا المكان، وكنتُ أنتظر اللحظة الّتي أقبض فيها على المعنى كاملًا من كلّ ما كان يحصل حتّى آتي.. كنت أنتظر كرة الطّين حتّى تجفّ وتتماسك، ثمّ آتي لأرميها في الهواء هنا دون خوف من تفتتها.

كان العام الماضي عصيبًا بالنسبة إليّ، خضتُ في محنه وحيدة، سقطتُ وحيدة وقمتُ وحيدة، ولأجل ذلك فقط، امتلكت صلابة لا سبق لها وثقة مكّنتني من خوض المزيد. وصلت إلى مرحلة عالية من الاعتداد بالنّفس -بشكلّ إيجابي-، كنتُ أحبّ نفسي ومن حولي، أحبّ حياتي وكلّ الأقدار، لا أشواق تبعثر روحي ولا آمال توقعني في هاوية اليأس، وصلتُ إلى مرحلة متّزنة وناضجة بفضل ما مررت، وكنتُ أحبّ كل ذلك، وأظنّني كنتُ بحاجة إلى تجاوزها حتّى أعلو وأكبر.

في هذا الصيف، حصلت مواقف متتابعة عجيبة وجديدة عليّ، تتابع حصولها كالقذائف المصوّبة على وجهي، واحدة تتلو الآخرة، كلمة تتلو الكلمة، موقفًا يتلو الموقف، اندفعت بقوة تجاهي وأنا ما كنت قوية كفاية حتّى أصمد أمامها.. تلقّيتُ كلامًا ما حصل وأن سمعتُهُ في حياتي، ومواقف ما حصل وأن كنتُ مشوّشة أكثر منها في حياتي، وسوء تصرّف ما حصل وأن صدر مني مثيله في حياتي. تفتّتُ. كنتُ فتاتًا وكانت الريح قويّة كفاية حتّى يتوزّع فتاتي في أرض الله فلا أعود بعدها أعرف من أنا. فقدتُ ذاتي، وأنا أعني كلّ حرف عندما أقول ذلك، وكان الشعور غريبًا جدًا، وأستطيع أن أقول بأنّها المرة الأولى الّتي أفقد فيها ذاتي وأنساها بهذه الطريقة. ما عدتُ أعرف من أكون، ما أحب وما أكره، من أحبّ ومن أكره، لما أفعل ما أفعل، ما أودّ فعله، مالا أودّ فعله.. ما عدتُ أتذكّر حتّى آمالي وطموحاتي وخططي القريبة. نسيتُ كل شيء. لا كيان. جلستُ أيامًا وأنا على حالة البله هذه لا أملك تفسيرًا. عندما امتلكت القدرة على الكلام، هرعتُ إلى الشخص الكبير الوحيد الّذي أثق به، وحجزتُ معها موعدًا للكلام، وكانت لسوء حظّي مشغولة. من لطف الله وعجائبه الّتي لا تتناهى أن ساق لي شخصين من حيث لم أحتسب، جاءاني ولم أطلبهما، وبإصرار منهما حكيتُ، حكيتُ ما لم أتوقّع أن أحكيه لأحد، كنتُ ضعيفة وفارغة، وكانا متّكئين. غمرني حبهما وصدقهما في الرغبة بمساعدتي حتّى فتحتُ قلبي. كلامهما الّذي قالاه لي من قبيل "أنتِ تستحقّين" ما فتأ يطنّ في أذني. تذكّرتُ بسببهما أنّني إنسان، وأنّني لا أستحقّ ما حصل، وأنّني أستحقّ الأفضل، وأنّني لستُ الملامة في كلّ شيء، وأنّني طيّبة، وأنّ الطّيبة ليست عيبًا، وأنّه فليذهب العالم إلى الجحيم، وأنّ الماضي فات، وأنّني قيّمة، وأنّ الحياة لا تتوقّف على بعض النّاس، وأنّ الكلام المؤذي يمكن التّخلصُ منه، وأنّ النّاس ليسوا صادقين كفاية حتّى يعنون كل كلمة تخرج من أفواههم، وأنّه طز، وأنّ الحياة لا تزال طويلة وممتدّة وتحمل المفاجآت، وأنّ رفقتهم هي الكنز والسكن والمأوى، وأنّهم ما داموا موجودين في حياتي فلا شيء يهم، فهمها سقطتُ، بسندهم ذاك سوف أقف وأعلو، وجروح قلبي كلها ستستطيب. كانا مرآتين. رأيتُ من خلالهما المعاني كلّها، والحياة بأبعادها الحقيقّة، ونفسي الّتي نسيتُ. أعاراني ذاكرتيهما، فاستعدتُ بفضلهما مخزونًا معرفيًا يكفيني حتّى أُمضي به الحياة ريثما تتشكّل نفسي من جديد. أراجع كلامهما كتمائم.. في كلّ مرّة يتلو عقلي ما يزعجني، أتلو عليه ما قالا، فأسكُن. كان كلامهما سلاحي الّذي واجهتُ به تلك الأزمة، وسلاح الحبّ لا يصدأ، ولا يخذل.

منّ الله عليّ بالحجّ هذا العام، وكانت تجربة الحج من أروع التّجارب رغم غرابتها. كلّ شيء في تجربتي كان غريبًا، حصلت الكثير من الأشياء النّشاز، إلّا أنّه في آخر المطاف كان حجًّا، والحج رائع مهما حصل. الحج؛ هذا المهرجان العالميّ العظيم الّذي يتجرّد فيه الكلّ ويتساوى: الوجهة واحدة، والتلبية واحدة، والقلب متوجّه إلى ربّ واحد. الشعائر واحدة، وطرق تأديتها واحدة، والطرق الّتي يسلكها الحاجّ في الذهاب إليها واحدة، والعدوّ واحد، والحصى تأخذ من مكان واحد، وتجمع بطريقة واحدة، وكل قلب يلهج بالدّعاء منفردًا؛ فرغم الكلّ الّذي يذوب فيه الفرد، إلّا أنّه ينبغي أن يتفرّد بفلكه الخاص، يدعو، ويطلب، ويناجي، ويذكُر، في خطّ فريد ممتدّ من قلبه إلى السّماء. أحببتُ كلّ الشّعائر، واستمتعتُ بكلّ شيء، وكنتُ لا أفتأ أردّد على مسامع ماما "فعاليات الحج هذه تعجبني!". الحجّ كلّه فعاليّات، مهرجان عظيم غزير بالفعاليّات الجسديّة الّتي يحضر القلب فيها غصبًا ويخشع. قرأتُ قبل الحج الفصل الأخير من كتاب "الطريق إلى مكة" لمحمد أسد، وكتاب صفّة حجّة النبيّ -عليه الصلاة والسلام- "كأنّك معه"، وصرتُ أرى ما كان يقوله الكتابات في ما كنّا نفعل، وأستشعر، وكان ذلك.. رائعًا، وتجديديًا. استطعتُ بالحج أن أنقطع عن كل شيء، عن أفكاري القديمة وعاداتي السّيئة والدنيا بكلّ ما فيها، خصوصًا في أيّام الإحرام، حينما تجرّدتُ حتّى من المكياج والتزيّن والانشغال بشكلي، كنتُ بيضاء، مجرّدة سوى من بياض ردائي، متمنّية بذلك أن يعكس لونه على قلبي، أتأمّل تنوّع النّاس واختلاف اللهجات، صامتة، لا أعبأ بشيء، ولا أكفّ أدعو. أعجبني أكثر ما أعجبني في الأمر كلّه أن الحجّ عبادة جسديّة، فيها تحرّكات رمزيّة، وتوحّدٌ في كلّ شيء، وأنّه وإن كان كلّ ذلك لا يعطي معناه في آنه، إلّا أن انعكاساته على القلب عظيمة وراسخة. كان الحجّ آخر أركان الإسلام ومكمّلها؛ لأنّ به يحجّ المرء -والحجّ معناه القصد- إلى الله بجوارحه كلّها، والمعنى لا يتمّ في القلب ولا يتمكّن منه إلّا حينما يعيه المرء ويتحرّك إليه ببدنه. في حركة البدن تمكين للمعنى وتأكيد عليه، فالأفكار طائرة، والعقل إن نسي الفكرة مرّة، فهو لا ينسى الفكرة المصاحبة للفعل، والشعور المصاحب للفعل، وأفعالُ الحج كلها تحمل قيمة عظيمة من خلفها، تأسّيًّا بأفعال الخليل الحنيف: وقفة عرفة الشبيهة بوقفة يوم الحشر، الذهاب إلى مزدلفة وجمع حصى بحجم الحمّصة، وكلّ له في جمعه طريقة رغم أنّ الوصف واحد، المهمّ أن لا يغلو، ومن ثمّ التوجّه إلى منى لرمي عدوّنا الأكبر عند الجمرات باليد والحصى الّتي جمعناها، وتجربة رمي الشيطان باليد فريدة، وتمدّ صاحبها بالقدرة على التمكّن من وسواسه الخاص بذات الطريقة التي تمكن بها سيدنا إبراهيم على التغلب على إبليس حينما همّ بذبح ابنه، وإن اختلفت الطّريقة الّتي نرميه بها. عندما يتجسّد المعنى الّذي لا تفتأ تفكّر به وتتحدّث به أمامك، ثم تتّخذ موقفًا منه في عالم المادّة، فلن يبرح المشهد قلبك من بعدها، وستتذكر في كلّ مرّة تنسى فيها التعامل مع المعاني في عالم المعاني كيف تتصرّف باستعادة تلك الصّورة الّتي تصرّفت فيها في عالم المادّة. كان ونستون في رواية ١٩٨٤ يقول -فيما معناه- أنّه حينما ينسى أين يكون وماذا يفعل لصخب الأصوات الّتي تحيط به وتشوّشه بفعلها، فهو يتحسّس يده والأرض الّتي يقف عليها، ثم يتذكّر بعدها من يكون. كان لطالما اتّبعت منهجه في تذّكر نفسي والعالم من حولي بتحسّس المواد الدّالة على الأشياء والمعاني والأفكار، وهذا هو سبب هوسي بالاحتفاط بشيء من كلّ شيء، ومحاولة تخزين كلّ ذلك عبر التوثيق الكلاميّ، ومنهج الحج العظيم لترسيخ المعنى يفعل -ربما- الشيء ذاته.

بفضل ما أوحى لي به الحجّ من أهميّة للتحرّك البدنيّ، وعلاقة ذلك بما هو داخليّ وقلبيّ، هرعتُ بعد تجربة التّنقية هذه لترتيب الفوضى داخلي، وبدأ ذلك بأن حزمتُ عزيمتي لتصفية أغراضي وتغيير الغرفة وتبديل الأثاث، تلك العمليّة المؤجّلة منذ مدّة طويييلة. عكفتُ في المنزل ٣ أيّام دون خروج أرتّب فيها ما ينبغي. بدأتُ بدولابي، تناولت ملابسي قطعة قطعة، وأخرجتُ منها كلّ رداء لستُ أرتديه، أو ارتديته مدّة كافية حتّى يتمّ التّخلص منه. دائمًا أنا مترددة بشأن ما يخرج من دولابي، إلّا أنّني لم أفعل هذه المرّة، وتخلصت من الملابس الّتي لا أريد كما لم أتخلّص قبلًا. توجّهتُ بعدها إلى الرفوف، أخرجتُ كلّ ما فيها، نظفتها بسائل تمسيح وخرقة، وأعدتُ ما أردتُ إعادته فيها وأنا أدرك ما تحوي رفوفي الآن قطعة قطعة. انتقلتُ بعدها إلى مكتبتي ومكتبي، أخرجتُ كتبي كتابًا كتابًا، ودفاتري دفترًا دفترًا، وأغراضي غرضًا غرضًا، وخلال كلّ ذلك، كنتُ أصفّي أموري برمي الأغراض البالية الّتي تفيض عن حاجتي، ومسح الأشياء المغبرّة بسائل التنظيف، ومن ثمّ وضعها في حقائب الحزم، ووجدتُ خلالها أشياء ضائعة كثيرة، وأشياء كنتُ أظنّ أنها ليست عندي، وأدوية منتهية الصلاحية، بعضها سائح فوق بعض، مختبئة تحت الرّكام، وذكريات، ورسائل من صديقات، وبطاقات مشاركاتي في نشاطات مختلفة، ودفاتر قديمة جدًا كنت أوثّق فيها كل حرفه أسمعه في كل محاضرة أحضرها بشكل عجيب وسرعة عجيبة، ورسومات تنتظر أن تعلّق على الجدران.. هززتُ لها رأسي هذه المرّة وأنا أعدها بأنّها ستجد مكانها لأنني حسمت أمري للتغيير، وفورما يتجدّد الأثاث سأجد لها براويز حلوة تليق بها. استمعتُ خلال مهمّة الترتيب هذه إلى تلاوات قرآن عذبة وأغانٍ بتوصيات الأصدقاء، ولم أحبّ أيّ شيء منها كما أحبّ اختياراتي القديمة، وتعرّفت بسبب تتالي المقاطع بعضها تلو بعض -وأنا أرتّب- على أغانٍ أخرى حلوة أتوقّف عن الترتيب بسببها لأدرك ماذا تقول. أحببت كل شيء يتعلّق بالتّرتيب والتّفريغ، وأشعر أنّ داخلي ترتّب، ولا زلتُ أنتظر تشكيل الغرفة الجديد الّذي سأسرق منه فكرة عن كيفيّة تشكيل ذاتي.

فعل التّفتّت ذاك لم يكن شرًّا محضًا. أعطتني هذه التجربة المريرة فرصة لبدء صنع ذاتي من جديد؛ تحسّس الركام المتواجد فيها، تنظيفه، وتصفيته من كل ما لا أريد، ولولا تلك الغربلة ما كنتُ استطعتُ إدراك جوانب ذاتي كلّها. أشعرُ هذه اليومين بقوّة عجيبة، وتصالح ذاتي، وسلام، وجرأة كبيرة لمواجهة كلّ ما هو آت. انكسرت نظّارتي في أوائل أيّام الحج، وأظنّ تلك كانت علامة للإقبال على العالم دون نظارة ولا حواجز. ارتديتُ عدسات طيلة رحلة الحج، وعزمتُ بعدها على التخلّص من ذاك الحجاب الّذي أحتمي به من كلّ شيء خشية أن يظهر وجهي كاملًا على الملأ. كنتُ أحبّ النظّارة، وأعدّها قناعًا، ودونها أشعر أنّ الضّوء يخترق وجهي أكثر مما يجب، وأن الناس ترى من وجهي أكثر مما يجب، إلّا أنّني لستُ أشعر بذلك الآن، بل على العكس، أودّ لو أقابل النّاس بوجهي كاملًا، ولا أمانع أن تنساب دموعي صريحة على خدّيّ دون نظارة، ولا أن يرى أحدهم ما تتكلّم به عيناي دون نظّارة. أريد أن أرى العالم، ولا أكترث إن رآني هو، أو حاول اقتحامي، أو تجرأ على وجهي كلّه، فأنا حقيقةً، لا أبالي. أريد أن أتخلّص من كل الحجب وكل القيود الّتي لا أصْل لها، أريد أن أكون. أريد أن أترك شعري مفتوحًا دائمًا، أن أرتدي ملابس فاتحة، وعباءات فاتحة، أن أرتدي أشياء تحمل معنى، أن أرتدي حقائب جميلة مصنوعة يدويًّا، أن أرتدي فساتين أكثر، وتنانير أكثر، أن أبتسم أكثر، وأُقبل على الحياة أكثر، وأكون كما أريد أكثر.

هذه ستكون سنتي الأخيرة في الجامعة، ورغم تجاربي السّيئة معها، وكراهيتي لها، ولنظام التعليم فيها، إلّا أنّني أودّ أن أقضي آخر أيّامي فيها أنشر الحب والابتسامات، وأترك فيها أثرًا طيّبًا، فمهما يكن، فيها أناس طيّبون أحبهم وأخشى فراقهم. أريد أن أقضي وقتي الأخير محفوفة بهم، بعيدة عن غيرهم. أريد أن أسامح كلّ من آذاني وأبتسم في وجهه، أن أخبر المدرّسات المقصّرات أنهنّ مقصّرات كما كنت أفعل ذلك خفية، أن "أطنّش" الفصول الدراسية المملّة أكثر، أن أقصّر دراسيًا أكثر لأنّ معدّلي مرتفع كفاية، أن أجرّب النّوادي القليلة الّتي كنت أشعر دائمًا أنها بغيضة، ومحاولاتي للاستمرار فيها باءت بالفشل، أن أتذوّق أشياء جديدة من الكافتيريا، أن أمشي داخل الجامعة دون عباءة، أن أقول كلمة الحق بالفم المليان، لأنّه لا داعي للدبلوماسيّة ما دمتُ سوف أتخرّج وأرحل إلى الأبد، أن لا أشعر بالرغبة بالمشاركة في المنافسات الّتي تشارك فيها وفود الجامعة، أن أمكث فيها أكثر، ولا أهرب كفأر، فجدولي كخرّيجة سيمتلئ بأوقات الفراغ على أيّة حال. أريد أن أجرّب فرصة حبّها، فرصة حبّ كوني تلميذة في مؤسسة تعليميّة سعوديّة، والأهم من كل ذلك، أن لا أجعلها تزعجني.

الحياة يمكن أن تكون طيّبة، والسقطات فيها تتلوها قوّة ويتلوها علوّ، ولطائف الله تحفّ المؤمنين من كلّ جانب، "فكلي واشربي وقرّي عينًا" حتّى وقت المصيبة، ولا يضيرك أن تصومي عن الكلام وإلقاء الأحكام ريثما تستعيدين القوّة، ففعل ذلك حين السقطة شقاء وتكلّف، وهزّي إليكِ بجذع من يتناولك بحبه وحنانه، ويكون متكّأً وسندًا وعونًا للنهوض، فكما أننا نسقط ببعض، فإننا ننهض بآخرين.



الجمعة، 4 أغسطس 2017

عن الرّغبة في الشّتم، وشعري، وأشياء أخرى

أكتب عندما أكون ممتلئة.. ممتلئة بالمعنى، أو الفراغ، أو الأسئلة، أو الأفكار الّتي تكاد تجعلني أجنّ من فرط دورانها وتردّدها وتداعيها. الكتابة فيضان. عندما أكتب أفيض، أفيض بما يأبى أن يخرج على هيئة كلام. أنا أتكلّم كثيرًا، ولا ألجأ إلى هذا المكان إلّا عندما يحتبس الكلام الّذي لا يصلح للكلام، أو عندما لست أشعر بمزاج للكلام، أو عندما أودّ أن أتكلّم وما من أحد ينصت، فيستقرّ الكلام في رأسي حتّى يملّ، وأملّ، وأودّ لو أتخلّص منه حتّى أسمح لغيره بالدّخول. الكتابة تهوية، الكتابة كنْس، كنْس للكلام. الكلام فضلات.
 أنا عندما أكتب أستفرغ رأسي. الكتابة استفراغ. الكلام قيء. أنا أتقيّأ.

حصلت أشياء جيّدة كثيرة منذ آخر ما كتبتُ وحتّى اليوم، إلّا أنّني في مزاج سيئ، ولست أرغبُ بشيء الآن سوى تعلّم كلّ شتائم العالم، والصّراخ بها.

عندما يتدخّل أحدهم في شؤوني الخاصّة، وأنا ما أخبرته عمّا سأفعل إلّا احترامًا وتقديرًا لمكانته في قلبي وحياتي، وإجابةً لأسئلته الملحّة الّتي لا تنفكّ، فلستُ أتمنّى سوى أن.. أشتم شيئًا، ثمّ أقفل الباب في أوجه الكلّ، أيًّا كانوا، وأمارس الكذب، أو التّحفظ الزّائد، لأنّ الشّفافيّة الزّائدة هذه تجعل (أحدهم) يمتلك الجرأة لدرجة الصّراخ في وجهي لتغيير شيء ليس ذو قيمة في أمر يخصّني أنا، وأنا يا ربّي لا أحتمل التّطفّل، ولا أحتمل الصّراخ. فليذهب كلّ متطفّل إلى الجحيم، حتّى وإن كان دافعه الخوف، أو الحبّ. ارحمني يا ربّ! أتمنّى لو يعاملني العالم كامرأة كبيرة بالغة عاقلة عمرها ٢٠ سنة. أنا كبيرة كفاية، وأتحمّل مسؤوليّة أفعالي، أو أظنّ أنّني أفعل، المهم، ابتعدوا عن طريقي وإلّا.. شتمتكم.

أكره العبث، ولست أتجنّبه إلا لأنّني أكرهه، وأكرهه لأنّني لا أستطيع أن أقبض على المعنى فيه، ولا التنبّؤ بالّذي سوف يؤُول إليه. عندما تُرسل إليّ الرّسائل، وأصدّها، وأؤوّلها بكلّ ما لا يتناسب معها خشية أن أمضي في أمر عبثيّ، إلّا أنّها تنهال عليّ مرّة تلو مرّة حتّى يُتفَوّه بها صراحة، فتتوغّل فيّ دون إرادة منّي، تقتحمني دون مقدّمات، تمطرني، تحمّمني، حتّى يكون ليس من الأمر بدّ؛ فأتقبّل الأمر، وأعطيه فرصة، وأبتسم في وجهه، وأحسن الظّنّ،، ليختفي كلّ شيء، يرحل مع الرّيح، يتبخّر، يتلاشى، وأنا المخدوعة بفكرة الرّسائل ألعن حظّي وحيدة في الفراغ. هذا العالم لا يكفّ يدهشني. أريد أن أشتم أحدًا.

غبيّة أنا، لا أكفّ أتعجّل، لا أكفّ أكرر أخطائي، لا أكفّ أصطدم بذات الجدران، لا تكفّ رجلاي تنزلقان من ذات الأسباب، في ذات الطّرق، لا أكفّ أسقط في ذات الحفر. أكرّر أخطائي كبّبغاء.. ببّغاء أخطاء! هه. لا ألبث أطير حتّى أقع، لا ألبث أتكلّم حتّى أتفوّه بكلّ ما لم أودّ قوله، وعندما أصمت، أصمت عن كلّ ما ينبغي أن يُقال. صرت أخطئ الأهداف كلّها، أخطئ اختيار الكلمات، أخطئ التّعبير عن شعوري، وعندما أصيب مرّة، أتّخذ من إصابتي شعلة نفّاثة تجعلني أنطلق كصاروخ، أدفع بنفسي في كلّ الاتّجاهات كمجنونة، ألقي بها من النّافذة وأغنّي لكلّ آمالي "ومن الشّباك لرميلك حالي"وما إن أرتطم بالأرض حتّى يتهشّم كلّ مافيّ، فلا أملك حينها سوى أن أبكي وأندب حظّي وأنا أحاول أن ألملم شذرات الأمل المفتّتة لأنّني.. لأنّني لا أكفّ آمُل. الأمل فكرة مجنونة، الأمل هاوية تغطّيه ستارة توحي إليّ بأنّ كلّ شيء -إن مضيت خلالها- سيكون على ما يرام.. وأنا دائمًا مخدوعة بالأمل، مخدوعة بفكرة التّحليق والمشي على الهواء، والمشكلة أنّني لا أكفّ! لا أكفّ أوقن بأنّني سأطير يومًا.

أمضيتُ يومي وحيدة جدًا، صامتة جدًا، لأنّ رأسي كان صاخبًا. خرج الكلّ وتركوني، وآه.. ما أسعدني بيوم صافٍ هادئٍ في هذه الإجازة الصّاخبة. أمضيتُ يومي على مهل، لم أتعجّل فعل أيّ شيء. قرّرتُ اليوم، أخيرًا، أن أضع قناعًا لشعري، تلك العادة القديمة الّتي طلّقتها منذ شهور لكثرة الانشغال وقلّة إيماني بأهميّتها. أوليتُ اليوم تركيزي كلّه على شعري، لم أكن أستمع لشيء وأنا أضعه على غير العادّة. مرّرتُ القناع (الّذي هو عبارة عن مادّة كريميّة) عليه خصلة خصلة، وفككت عُقدَهُ بأصابعي -دون الاستعانة بأيّ مشط- عقدة عقدة، وأنا ما أتذكر متى كانت المرّة الأخيرة الّتي تحسّستُ فيها شعري من أقصاه إلى أدناه بهذا التروّي. تحسّستُ فروته، داخله وخارجه، وأطرافه، وكنتُ سعيدة بذلك. شعرتُ أنّني كنتُ بذلك أتحسّس نفسي الّتي بعثرتها، وقسوتُ عليها، وحمّلتها لومًا ما كانت تستحقّه في الأيّام الماضية. كنتُ أستعيدُ شعوري بذاتي وأنا أتحسّسه، وأحاول أن أفكّك العقد الّتي تسكن رأسي من داخله في ذات الوقت الّذي كنتُ أفكّك فيه عقده الخارجيّة. قبل ٤ سنوات، كانت تتحدّث أ. أريج الطّباع عن العلاج النّفسي/الرّوحي الّذي كانت تطبّقه على ضحايا الحروب والأزمات.. تعيد إليهم تقديرهم لذواتهم وإحساسهم بها عن طريق مساعدتهم في استشعار المعاني الكامنة خلف الطّقوس الّروحيّة والدّينيّة الّتي يقومون بها. هي تنتهج ذات النّهج الّذي يسلكه فيكتور فرانكل، والّذي يؤمن أن النّفس المعطوبة بحاجة إلى ما هو فوق العلاج النّفسي، شيء يعبّئ الرّوح ويجيب على أسئلتها، كالأديان، تتّصل بالغيب وتشبع توقها، أي الرّوح، إلى المعاني الخفيّة وكلّ ما هو علويّ. كانت إحدى ما تفعله أ. أريج هو العلاج بالوضوء. تقول: عندما تتوضّأ، أنت تتحسّس ذاتك وتستعيدها. تحسّس نفسك وأنت تتوضّأ، وتذكّر أنّها موجودة، وأنّها تستحقّ. تحسّس وجهك، ويديك، ومرفقيك، وأنفك، وفمك، وشعرك، وأذنيك، ورجليك.. اغسل أعضاءك من الضّوضاء، تخلّص منها. اغسل أذنيك من الأصوات، اغسل فمك من الصّراخ، اغسل يديك من الدّماء، من المشادّات الّتي خاضت فيها، اغسل عينيك من المشاهد الّتي لا تحبّ. تخلّص من كل ذلك، اعط نفسك فرصة أن تصير جديدة،  أن تكون حرّة، وامضِ. كنتُ وأنا أضع القناع على شعري أتحسّسه وذاتي.. كنت أعيد بناء علاقتي مع نفسي وأرمّمها بذات الطّريقة. كنتُ أدرك ثقل وجودي مع كلّ شعرة، وأشعر بخفّته مع سقوط كلّ شعرة. كان وضع القناع فعل استرخاء وتجسير.

أؤمن بأنّ كلّ التّرهات التّجميلية الّتي تقوم بها الفتيات تحمل معانٍ أكبر من ذلك بكثير، تعيد علاقتهنّ بأجسادهنّ، وتجعلهنّ يحببنها على ما هي عليها، يتحسّسن تفاصيلها ويتعلّقنَ بها أكثر، فلا يجرؤن من بعدها على تغييرها بما هو زائف.. حتّى المكياج المتّهم بالتّزييف يفعل ذلك. أحبّ فقرة وضع المكياج وأعدّها مقدّسة، رغم أنّني لا أضع إلّا القليل، القليل جدًا، إلّا أنّني به أتحسّس تفاصيل وجهي، أحفظها وأحبّها، وأجعلها تبدو أكثر وضوحًا. الجسد في نهاية المطاف هويّة، جزء من هويّة، عن طريقه نعبُر العالم، وعن طريقه نعبّر عن الباقي من أنفسنا، وبه نقابل من نحب، ونحتضن من نحبّ، ونحفظ به أصغر التّفاصيل في من نحبّ، في أجسادهم، وبه فقط.. نقضي أوقاتًا حقيقيّة معهم، بالتّواجد الجسدي ذاته، وإن كان مجرّدًا من الكلام؛ المهم أن يكون ممتلئًا بالرّوح.

أخيرًا، شاهدتُ فيلم غبيًّا جدًا جدًا جدًا، يا الله، كان غبيًّا جدًا! كلّ الأمور الجيّدة فيه تحصل عن طريق الصّدفة بطريقة غبيّة، جعلتني أشعر أنّ الأمل هو أغبى شيء يمكن أن أفعله في حياتي، رغم أنّني أظنّ أنّه أراد أن يوصل رسالة معاكسة تمامًا. أكره الغباء، وأكره الآمال الزّائفة. أكره الزّيف، والمشاعر الّلحظيّة، والكلام الّذي لا يُطابق قلب متحدّثه، وكلّ التّرهات! أحيانًا حتّى.. أكره أن يمتدحني أحد فوق ما أستحقّ، خصوصًا وأنا في حالة تشبه الّتي أمرّ بها الآن.. حزينة ومفتّتة. عندما أخطئ وأكرّر أخطائي، لست بحاجة سوى للحب، لا المديح ولا الثّناء. أريد حبًّا وصدقًا. أريد من يزمّلني ويدثّرني، كالسّيدة خديجة، ويخبرني أنّني فعلتُ أشياء جيّدة كثيرة في حياتي، أن يعيد ترميمي دون أن أشعر، أن يريني ذاتي، أن يذكّرني بها، أن يجمع جيّدها الّذي  لا أستطيع أن أرى مع سيّئها الّذي لا أرى سواه. حصل قريبًا وأن لجأتُ إلى أحدهم وأنا في أكثر لحظاتي تفتّتًا وهشاشة، وما كان إلّا أن وبّخني، وأعاد القصّة بكثير تكلّف وتركيز على جوانبها الّتي ساءتني ابتداءً. رغم أنّني لستُ من ذاك النّوع الّذي يعرف ذاته عن طريق آخرين، إلّا أنّني كنت أكثر ضعفًا من إعادة النّظر في المبالغات الّتي قال. بكيتُ كثيرًا.. كثيرًا، وتأذّيت، ولستُ أعرف متى سأستعيد ثقتي في الآخرين من جديد.

أتمنّى أن تكون أيّامكم أطيب من أيّامي. لا زلتُ أتفاءل بالغد.. غدًا يوم كبير، وسأقابل فيه أناسًا أحبّهم، وأظنّ أنّني سأحبّ الحياة من بعد غدٍ أكثر.

سامحوني.. أنا في مزاج سيئ جدًا، وما كان أحد بجانبي حتّى أصرخ في وجهه، وخفت أن أتلفّظ بما لا يليق في تويتر، فجئتُ هنا. تصبحون على خير، وسلام.


الثلاثاء، 25 يوليو 2017

عن السّعي الصّادق، وإخفاقاتي، وأشياء أخرى

سأحاول فيما تبقّى من إجازة أن أوثّق ما يطرأ على بالي عند الجلوس للكتابة- بشكل أسبوعيّ؛ لأنّني أريدُ ذلك، ولأنّ أيامي صارت تزدحمُ باختياري بالتّفاصيل الّتي أحبّ أن أوثّقها، بخلاف أيّام الجامعة الرّوتينيّة الّتي أقضي الكثير من ساعاتها بشكل يخالف رغبتي واختياري. لتأخّر الوقت، وللنّعاس الشّديد، والصّداع النّاتج عن التّعب وقلّة التّغذية واضطراب النّوم في الأيّام القليلة الماضية، واجتماع كلّ ذلك في اللّحظة الآنية، فستتمّ كتابة هذا المنشور على جلستين، أولاهما تبدأ الآن.

كان يومي سعيدًا هو الآخر، ولا أظنّ أنّني سآتي هنا دون أن أكون مشحونة بطاقة سعيدة تشبه هذه الّتي تسكنني الآن، لأنّني من أولئك الّلاتي يستحلنَ إلى بكماوات حين الحزن، أو الخيبة، أو الشّعور باللّافهم، وأحبّ أن أحتفظ بذلك كلّه لنفسي، ولا أجرؤ أن أشاركه إلّا إن تجاوزته، وصار الأمر لا يعدو أن يكون تجربة شعوريّة ماضية، أو جزءًا من قصّة تنتهي بدرس مفيد.

 في الواقع، كانت أيّامي الماضية القريبة -بخلاف اليوم- عجيبة ومضطربة ومليئة بالبكاء الخفيّ والوجع غير القابل للقصّ. تجاوزتُ ذلك على كلّ حال، وإن كنت قد تسبّبتُ في حصول بعض الأشياء الّتي لا أفخر بها، والّتي أشعر أنّ شيئًا منها تشوّه إلى الأبد بشكل غير قابل للإصلاح أو التّرقيع. حصلت ثلاثة مواقف غبيّة جدًا، وكنتُ فيها خرقاء جدًا، ولم أكن أستطيع أن أردّد العبارة "كنت غبيّة، بس عادي" الّتي صرتُ أستعملها في العام الأخيرِ من حياتي لتجاوز المواقف المحرجة الّتي أضع نفسي فيها. بكيتُ، ورجوتُ القدر أن يسارع بالإتيان بغيرها من الأحداث حتّى أنسى، وأظنّ أنّ ذلك قد حصل بمجيء اليوم. كنتُ واهنة، ولا أستطيع الوقوف، ولستُ قادرة على مشاركة أحد، لأنّه ما من أحد سوف يفهم، وأختي صارت أبعد من مشاركتي تلك المواقف البلهاء، وتذكيري ساعتها بأنّ قيمتي لا تُختزل في موقفين أو ثلاثة في مقابل عمري الكامل. كنتُ مشوّشة، مشوّشة جدًا، أكثر من قدرتي على التفكير بشكل سليم. فقدتُ خلال أسبوع كيلوين من وزني اكتسبتهما خلال عامين، وصارت شهيّتي مسدودة عن الطّعام إلّا من لقمتين أجامل بها ماما كلّ غداء، ونومي مضطرب لا يستمرّ أكثر من ساعتي استغراق. من لطف الله أنّ إنجازًا ما تزامن مع كلّ ذلك، فزاحمت نشوة الإنجاز شعوري بالخيبة، وأقامتني وأنا في أكثر لحظاتي تفتّتًا وضعفًا.

أمّا بخصوص اليوم، فقد ذهبتُ إلى ذات المكان الّذي ذهبتُ إليه الأسبوع الماضي، حيث أكون بين الكثير من الفتيات الجميلات المتحفّزات لخوض غمار تجربة جديدة بكلّ جرأة وشجاعة. كنتُ الرُّبّان هذه المرّة.. كنتُ في مقام من تعطي، وترعى، وتقودُ، وتطرح الأسئلة، وتحرصُ على راحة الجميع، وتبتسم للكلّ، وتنتبه لملامحهم، وتلحظ رغبتهم غير المعلنة في الكلام، وتسعى إلى استخراج المعاني من الأفواه، وتمنحُ الكلام عناوين، وتُقلّب الكلمات بين أيديهنّ حتّى يخترن منها ما يناسب الفكرة الّتي تجول في رؤوسهنّ إن تأخّر خروجُها. كنّ سعيدات، وكنتُ. لا لذّة تعادلُ لذّة العطاء، خصوصًا لأولئك الّذين يحتاجون إليه، ويعلنون رغبتهم، ويفرحون بمجيئه، وأزعم أنّ لذّة العطاء الفكريّ تفوق ما عداها.. أن ترى من أمامك يتفتّح ويُزهر لأنّك منحتهُ فكرة، لأنّك فتحت له بابًا يلج به إلى عالم فسيح ما فكّر بوجوده من قبلك. أعربنَ في النّهاية،، في الوقت الّذي كنتُ أشعر فيه بالتّقصير والعجز عن تقديم ما هو أكثر، والخوف من خيبتهنّ- عن سعادتهنّ بما حصل، وأنّ اليوم كان مميّزًا، وأنهنّ يشعرن بالتقدّم، وأنّهنّ صرنَ أكثر حريّة، وأنّهنّ استمتعن بكلّ ذلك، حتّى تلك الهادئة الصّامتة الّتي كنتُ أشكّ أنّها تجلسُ رغمًا عنها قالت بأنّها قضت وقتًا ممتعًا وصارت تشعر بالانتماء. آه كم أحبهنّ.

ذهبتُ بعدها مع أختين جميلتين أحبّهما جدًّا، ولي معهما مغامرات أثيرة في العام المنصرم جعلتهما تحتلّان بقعتين مميّزتين قلبي- إلى مطعم ما، وطلبتُ فيه شباتي بالنّوتيلّا لأنّه كان الطّلب الأسلم، وقد كان حجمُه صغيرًا بشكل مخادع، وكانت فطيرته غيرُ مستويّة، إلّا أنّ الوقت السّعيد الّذي قضيتُه هناك معهنّ جعلني ألتهمه كلّه رغم انسداد الشّهيّة الّذي أعاني منه. تشاركنا أحدث الأفكار، وأسماء المسلسلات، والمشاريع المؤجّلة، وخططنا الصّيفيّة الّتي ما التزمنا بها، ثمّ بعد أنّ تعبأت نوتات هواتفنا بالأسماء الجديدة الّتي تبادلناها لكلّ ما سبق، تعاهدنا بأن نلتزم بتنفيذ الخطط. عدتُ إلى بيتي بسيّارتهما، ومررنا في الطّريق على ابنة أخيهما (اللّزوزة) جدًا الّتي تشبه في طريقة كلامها البريئة بشكل يبعث على عضّ اليد وقرص الخدود- أخي الصّغير. كنتُ أسألها، وكانت تجيب وتسرح في إجاباتها بفصاحة و(لزازة) بالغتين لم أتحمّل معها أن لا أودّعها بقبلة كبيرة استأذنتها فيها قبل أن أعطيها إيّاها خشيةَ أن تغضب كما أخي، وتظنّ أنّني أقلّل من شأن حكمتها الّتي تفوّهت بها، إلّا أنّني نسيتُ أنّ الفتيات لا يمانعن الدّلع ويستقبلنه بصدر رحب، وجال في خاطري أنّني أودّ أن أكون أمًّا في الحال، وأن تكون لي ابنة في مثل عمرها، تتحدّث بذات اللهجة الطّفوليّة الّتي أحب، والّتي تستفزّ كلّ خلايا قلبي.

 أجريتُ بعدها بضع مكالمات، وتتبّعتُ رسائل جوّالي حتّى أتأكّد أنّ أمور رحلة الغد تسير على مايرام، إلّا أنّ ذلك أخذ الكثير من وقتي وانتباهي، وأشغل كلّ ما تبقّى من ليلتي على حساب خطط الإجازة الّتي وضعتها لنفسي. رغم أنّني أحبّ حياة العطاء الّتي أعيشها في ذاك المكان الّذي ذهبتُ إليه، وفي الأمر الآخر الّذي اضطرّني إلى متابعة جوّالي بشكل مستمرّ، وأشعر معهما أنّني أنمو وأتعلّم، وأنّ خبرتي في الحياة تزداد، وأنّ قيمتي الاجتماعيّة تكبر، ومهاراتي الاجتماعيّة تصير أكثر حرفيّة، إلّا أنّني..
أشعر أنّني بالعطاء المستمرّ المتتابع أستحيل  إلى كائن أكثر فراغًا، وأنّ مخزوني المعرفيّ يتناقص دونما بديل، وأنّ أفكاري لا ترتصّ في مسيرة واحدة، وأنّني لا أعرف الكثير من الإجابات الّتي ينبغي أن أعرفها، وأنّ صبري ينفد بشكل أسرع في أوقات جلوسي وحدي، وأنّ قدرتي التّعبيريّة تصير أقلّ تنوّعًا وأكثر شبهًا بالآخرين، وأنّني أقلّ تركيزًا، وأقلّ انتباهًا إلى التّفاصيل، أكثر براغماتيّة، وأقلّ ترصّدًا للحقائق الّتي لطالما كان يشغلني أمرها، أقلّ توافقًا مع أصواتي الدّاخلية، وأكثر انسجامًا مع العالم وضوضائه.

نصحتني أستاذتي العظيمة مرّة عندما استشرتها: بين المضيّ في طريق يلمّع اسمي وسيرتي الذّاتيّة ويستهلك من وقتي وجهدي على حساب العمل على قيمتي كشخص، وبين أن أعمل بشكل خفيّ على قيمتي الشخصيّة على حساب الإنجاز المعترف به، وأشارت عليّ -بالإسقاط على تجاربها في مثل عمُري- أن أسعى للأخيرة بلا تردّد، لأنّني بذلك، وإن لم أحظَ بسيرة ذاتيّة جذّابة تستقطبها المؤسّسات الكبرى، فسأكون من أولئك اللاتي إن تحدّثن، وهنّ يعرفن تمامًا ماذا يقلن وكيف يقلنه، سيجدُني من يبحث عن القيمة الحقيقيّة، وأنتهي بذاك السّعي الخفيّ الصّادق إلى نتيجة صادقة قيّمة تلائمه وترضيني. هذه المعادلات لا يعترف بها العالم، إلّا أنّها تحصل. هذه الطّرق ملتفّة وعجيبة، وغير مأهولة، ولا يدركها إلّا الصّادقون، ولا يلقي بأنفسهم في طرقها الوعرة المحفوفة بتكذيب الآخرين وتثبيطهم إلّا الصّادقون، وأنا يا ربّ أريد أن أكون منهم مهما كان ذلك صعبًا ويبدو في ظاهره شاذًّا عن الجماعة، وأريد أن أعرف كيف أوازن بين العمل على قيمتي الشّخصيّة، وعطائي من تلك الذخيرة في ذات الوقت، وأن لا أدع الأولى تغلب الأخيرة وتتوغّل بضوضائها إلى داخلي. المشكلة أنّ الوقت محدود وقصير، والحياة مجنونة في ضخامتها وكثرتها، وبعض الفرص لا تتكرّر، وأنا يا ربّ.. حائرة.

حصل قريبًا وأن تنازلتُ عن موقفي في حوارين كنتُ المحقّة في كليهما، وانتهيتُ في كلٍّ منهما باعتذار ساذج، وتصفيق للطّرف الآخر، ولكنّني عندما اختليتُ بنفسي، وفاتحتُ من أثق بالموضوع بشكل غير مباشر، وفكّرتُ بشكل كافٍ، وجدتُ أنّني كنتُ المحقّة بشكل لا تخطئه عين، واستغربتُ من نفسي انسحابي واعتذاري وتغافلي. لطالما آمنتُ بأنّ اللّين يحلّ كلّ شيء، وأنه ما من داعٍ للاصطدام أو العراك، وأنّ التّنازل يكونُ حلًّا ذكيًّا حينما يتعسّر الاتّفاق، إلّا أنّ ذلك التّنازل تضمّن استنقاصًا من قدر نفسي وهضمًا لحقّها بشكل آلمني. لطالما شعرتُ أنّني أمتلك الكلمة في الوقت الّذي أريد، وأنّ معاييري في قياس موقف الآخر وموقفي سريعة كفاية حتّى تجعلني أحسن التّصرف في لحظة الموقف، إلّا أنّني ما عدتُ، ربّما، أمتلك ذات اللّياقة، وأظنّ أنّ ذلك يعود إلى تقصيري في العمل على تكويني المعرفيّ، واتّكالي على حدسي في حلّ كلّ شيء. ربما ينبغي أن أكون صلبة أكثر، وأن أمتلك منهجًا سميكًا سليمًا يمكنّني من قياس المواقف والأمور بشكل أسرع وأدقّ. ربّ آتني الحكمة.

ختامًا، أحبّ أن أقول أنّني شعرتُ بمسؤوليّة حيال إيصال صورة صادقة عن حياتي، خصوصًا بعد التّدوينة الفائتة الزّهريّة. أريد لكلّ من تصلني منهم رسائل مثل: أنتِ إنسانة جيّدة، أو: أنتِ كاملة ولا شيء ينقصك، أن يعرف بأنّني لستُ كذلك، وأنّني أتمنّى أن أكون، إلّا أنّ حياتي يشوبها الكثير كما كلّ النّاس، وأنّني أخفق أكثر ممّا أنجح، وأتوصّل لنتائج خاطئة ١٠٠٠ مرّة في اليوم الواحد قبل أن أصيب. أشعر أنّني أريد أن أكون كإيزابيل حبيبتي، أن أسخّر تجربتي الحياتيّة للنّاس، أن أعدّها وقفًا للعلم. حقيقةً، لا يهمّني أن أبدو ساذجة إن استلزم الأمر في سبيل أن أنقل تجربةً ما بشكلها الكامل دون تزييف، أو أن أنقل صورة صادقة عن حياتي ليستفيد منها الآخرون. لا أعرف لماذا، ولكن راودني هذا الشّعور وأنا أكتب ما كتبت، ولذا كنتُ أكثر شفافيّة بخصوص التّفاصيل التّعيسة. أحبّ حياتي على كلّ حال، وأحبّ أن أحيا رغم كلّ شيء.

على فكرة، كتبتُ ما كتبت في جلسة واحدة متّصلة.

الثلاثاء، 18 يوليو 2017

عن حبّ النّاس، وأشياء أخرى

أهلًا.
حصل الكثير في الفترة الماضية ولم أوثّق شيئًا منه هنا ولا في أيّ مكان آخر، وأشعر أنّ فكرة التّوثيق بعد كل هذه الانقطاع تجلب لي الصّداع بقدر ماهي ضروريّة. دون التّوثيق، يسيل الزّمان ولا أعرف كيف مضى، تزدحم الأفكار والمشاعر في رأسي ولا أشعر بينها أنّني صاحبة سلطة. حصل الكثير وما كان هنالك وقت كاف بين حدث وآخر للتّفكير والتّحليل، لتحديد مكاني، للقبض على المعاني، لترك ما أريد وطرد ما لا أريد. أنا في إجازة، وأظنّ أنّه ينبغي على هذا الصّخب الحياتيّ أن يكفّ، وأن أعيش الهدوء الّذي يسمح لي بتحسّس الأشياء كما يجب، والقدرة على وصفها بأكبر دقّة ممكنة. أحب أن أرى كلّ شيء، أكره أن أمضي عمياء. أتساءل إن كان ينبغي أن أدع الحياة تحدث بكلّ ما فيها من صخب دون أن أتفحّصها كفاية. أشعر أنّ المراقبة والتّفحّص والوصف مهامّي الأزليّة الّتي لا يجوز أن أتخلّف عنها.

في الأيّام الماضية، تعاملت مع الكثير من النّاس عن قرب، وكان لكلّ منهم معي أحاديث مطوّلة عن أشياء كثيرة. رغم أنّني لا أمتلك خطّة لهذا الصّيف، إلّا أنّ أيّام الأسبوع لا تلبث تمتلئ من أوّله، صبحها ومساءها. لم أنزعج من اللقاءات الّتي حصلت، كان معظمها إراديّ، إلّا أنّها حصلت دفعة واحدة بشكل مكثّف ومتسارع. أشعر أنّني ضائعة بين كلّ من أعرف، وأودّ لو أتّخذ مواقع واضحة بينهم. أريد صلات وثيقة أحافظ عليها، ويجمعني مع أصحابها مشروع ما مستمرّ. أودّ لو أحتفظ بكلّ من يعجبني الحديث معهم، وأضمن أن أراهم بشكل دوريّ ومستمرّ على المدى البعيد. النّاس كنز، ورؤيتهم بشكلّ دوريّ لا ينقطع مطلب ضروريّ عندي. أكره فكرة أنّ الكثير من الأشخاص الجيّدين يعيشون مكانًا واحدًا ولا يجتمعون، لا يرى أحدهم الآخر، ولا يتبادلون الأحاديث بشكل كاف. أكره فكرة التّفرقة الحاصلة هذه، وأتمنّى لو تكون هناك مجتمعات ما، تخصّ الشّباب، مفتوحة للجميع، وموجودة للجميع، ويستطيع أن ينضمّ فيها من ينضمّ، يتحدّثون فيها، ويتبادلون الخبرات، ويكوّنون صداقات، ويفعلون أشياء جيّدة سويّة. تعرّفت على الكثير من هذا النّوع الجيّد من النّاس بشكل ملتفّ، من مشاريع متفرّقة، ثم يتبدّى لي في كلّ مرّة أنّ الكلّ يعرف الكلّ بذات الطّرق الملتفّة الّتي لا تحصل إلّا صدفة، وأمنّي نفسي لو أنّ هنالك مكانًا واحدًا يسعهم كلّهم ويستطيع أن يعرف فيه بعضهم بعضًا فيه دون كلّ هذا التّعقيد والالتفاف. التّواصل يجعلني حيّة، ولو أنّني أشعر بسببه ببعض التّشتت، إلّا أنّني أحيا، وأصير ملوّنة، أعطي وآخذ، آخذ وأعطي، وأشعر أنّني أقلّ غرابة عن الآخرين، وأنّ الكون أكثر سعة، وأنّ الإنسان كائن عظيم. أحبّ الإنسان، وأودّ لو تعطيني الحياة فرصة أن أتعرّف على أكبر قدر ممكن من النّاس الّذين يتزامن عيشهم فيها معي.

انتهيتُ من آخر حلقة من مسلسل the good wife قبل يومين، وأشعر من بعده بفراغ وغربة. ما كان ينبغي أن ينتهي، كنت أعيش في خطّ متوازٍ مع هذا المسلسل وأنضج بنضج أبطاله. تعلمتُ الكثير منه.. تعلمتُ كيف أشعر، كيف أتجاوز الألم، كيف أترك للحزن مداه، كيف تمضي الحياة رغم كلّ شيء، كيف يعودُ النّاس يحبّ بعضهم البعض مهما فرقّت بينهم المصالح، تعلّمت ماذا يعني الزّواج، ما هي العلاقات وكيف تتكوّن وتنتهي، كيف يصير النّاس أصدقاء، كيف أبني أسرة،،
وأنّ الحياة تستمرّ رغم موت الأحبّة، وأنّ الحياة غنيّة بالدّهشة مهما ظنّنا أنّنا استنفدنا ما يدهشنا، وأنّ في القلب دائمًا مساحة شاغرة للحبّ، وأنّه حيث تنتهي طاقتك يتكفّل القدر بإنجاز الأعمال، وأنّ كل شيء قابل للإصلاح، وأنّ هناك مدّة صلاحيّة لبعض الأشياء، فبعضها يموت، إلّا أن هنالك دائمًا ما يحلّ مكانها، وأنّه ما من شيء ينبغي أن يستحوذ انتباهي كاملًا سوى الجمال والحبّ.
أشعر أنّ الأثر الّذي تركه فيّ هذا المسلسل يشبه الّذي تركته فيّ إيزابيل في الجزء الأوّل من سيرتها الذّاتية (پاولا)، ورغم أنّ المرأتين البطلتين في كلّ من المسلسل والكتاب مختلفتان من نواحٍ كثيرة، إلّا أنّني كنتُ أخرج بطاقة شبيهة بعد المشاهدة/القراءة، وربّما يحصل ذلك لأنّ كلا المسلسل والكتاب يصف الأشياء والمشاعر بشكل صادق وشفّاف، يمرّ على حياة كاملة مضغوطة، يتيح لي أن أتلصّص عليها مصغّرة ومسرّعة من ثقب صغير، ويعطيني الخلاصة في تجربة مشاهدة/قراءة كانت من أمتع ما حصل، ولا أظنّ أنّ هاتين التّجربتين لتتكرّرا إلّا لإيماني بأنّ الحياة مليئة بالدّهشة مهما ظننتُ أنّني استنفدتها، كما تعلّمت منهما.

مررت بأزمة شعوريّة غريبة في الأيّام الماضية، ولا أستطيع الآن أن أقول أنّني تجاوزتها تمامًا. كلمّا يتجدّد فيها أمر، كنت أصاب بمرض أو شيء من هذا القبيل يجعلني ساكنة في مكاني، ومجنونة تقريبًا، وبلهاء بشكل غريب. تدور الفكرة في رأسي كدوّامة، ذات الأفكار تتقلّب وتتبدّل في رأسي ولا مفرّ، وصدى الأصوات يتردّد ويتكرّر بلا نهاية. أترك للأمر أن يحصل دون ضغوطات لأنّني أعلم أنّ الأمر مسألة وقت. أكره أن تستحوذ رأسي فكرة لا أقوى على تحريكها من مكانها إلّا حين يحين وقت رحيلها، والحمدلله أنّ الأمر في حالتي لا يطول. شعرت أنّني في مأزق لا يستطيع أحد أن يخلّصني منه. دائمًا في هكذا مواقف، ألجأ للمعرفة. الفهم يجعلني أسكن، ويعجّل من حراك الفكرة من رأسي، أو على الأقل، من توتّري حيالها. من حسن حظّي أنّني من جيل العم قوقل، حيث لا حاجة إلى اللجوء إلى أحد للحصول على فهم معقول. أن أصل إلى المعرفة اللّازمة مع الحفاظ على خصوصيّة أفكاري. ياللروعة!

صحوت اليوم السّاعة ١٠ صباحًا، ولم أنم حتّى الآن، وأنا الآن نعسانة جدًا، إلّا أنّني أكتب، لأنني إن لم أفعل الآن فلن أفعل أبدًا.

أمارس في ليالي هذا الصّيف فقرة "الأخت الكبيرة" حيث يتحولق حولي إخوتي الصّغار أينما ذهبت، يتشاجرون أمامي، أو يتحدّثون عن كلّ شيء، ويكون عليّ أن أمدّهم بالأمان، وأهدهد مخاوفهم، وأرافقهم إلى المطبخ، وأصنع لهم عشاءً إن استلزم الأمر وهكذا. أخي الصّغير، آخر العنقود، الحبيب، القريب من قلبي، الّذي لا يكبر في عيني، "يكمل السّهرة" معي دائمًا، ولا ينام إلّا عندما أنام. يسألني عن كلّ شيء.. أسئلة وجوديّة تارة، وأسئلة حول تخصّصات ومهن العالم تارة أخرى. كلّ يوم يختار هذا النّونو مهنة جديدة يريد أن يمتهنها في المستقبل، ونفكّر سويّة فيما يمكن أن يصير عليه إن اختارها. يصرّ دائمًا أن يكون برفقتي حتّى وهو يلعب، يصنع آلات وروبوتات لها قدرات خارقة ويريني إيّاها، ويأمرني بتصويره وهو يشرحها وإرسالها إلى من يشاركه أمرها من أقربائنا الّذين في سنّه. يجب أن نلعب كلّ ليلة لعبة حرب الإبهام، وأفوز أنا غالبًا لأنّ إبهامي أطول. أُسمّي إبهامه "أبو خنصر" ويسمّي إبهامي "أبو بنصر". اليوم يوم استثنائي لأنه سمح لي بالحصول على ٣ أحضان. كلّ يوم أحاول أن أشرح له أنّني كأمّه، أنّني حمّمته وأكّلته وشرّبته واعتنيتُ به، وأنّه كبير نعم، إلّا أنّني لا أزال أراه نونو ليس لشيء إلّا لأنّني اعتنيتُ به مذ كان نونو، وأنّه ينبغي أن يكون لي نصيب يوميّ من الأحضان مثل ماما، وينتهي النقاش كل مرّة بأن يرفض رفضًا لا جدال فيه. اليوم اقتنع، واحتضنني ٣ مرّات بكل بطواعية وحبّ. كم أحبّه هذا النّونو. أحبّه بلا شروط، أحبّه في كلّ أحواله، أشعر أنّه كقطعة من قلبي، وأنّ حبّه في قلبي يتضخّم كلّ يوم. أحبّه كثيرًا، وأخاف أن يكبر إلى الحدّ الّذي يبتعد فيه عنّي. دائمًا ما أتساءل عن حبّ الأمّهات، هل يستطيع قلبي أن يحبّ أكثر؟ هل هناك من سيستحوذ على قلبي أكثر؟ كيف لقلبي أن يكون أكثر سعة؟ هل تجربة الحبّ الّتي سأمرّ بها حين الأمومة تتفوّق على هذه الّتي مع أخي؟ القلب أعجوبة، وأتمنّى أن أجرّب كلّ صنوف الحب.. أن أختبر إمكانيّات قلبي كلّها، أن أمطّ جدرانه إلى أبعد مدى، وأُدخل فيها كلّ حبّ ممكن قبل أن أموت.

اليوم كان يومًا سعيدًا جدًا، خرجتُ مع ماما في الصّباح، وأنجزنا كثيرًا في خرجتنا تلك، وضحكنا. عدتُ وتناولتُ غدائي ثمّ خرجت مرّة أخرى إلى حيثُ قابلت الكثير من الفتيات الجميلات، فعلنا ما فعلنا، تحدّثنا كثيرًا، واستمتعتُ برفقتهنّ، ورؤية ذاك البريق في أعينهن، البريق الّذي ينبّئ بدخول عوالم جديدة، البريق الّذي يصاحب دهشة الجديد، البريق الملازم لأعين كلّ من يهمّ بالطّيران. توجّهتُ بعدها مع اثنتين إلى مطعم ما. أكلنا وتحدّثنا. كنتُ منصتة في أغلب الوقت، متعبة، ومستمتعة. أحببتُ رفقتهما، وتجلّت لي معهما.. أشياء، وأشعر أنّ لديهما عوالم ما تجرأتُ دخولها يومًا، أو ما فكّرتُ في ذلك. أحبّ هذا الصّنف من النّاس، أولئك الّذين يكبرونني في كلّ شيء، ورغم ذلك ما أزال أملك رفقتهم والحديث معهم بفرصة متعادلة.


أشعر أنّني محظوظة جدًا، أكثر ممّا أستحقٍ، وأنّني رغم التّشتت الّذي أعيشه أمتلك الكثير، وقادرة على فعل الكثير، وأنّ الحياة حلوة، والإجازة ما تزال ممتدّة للمزيد من الإنجاز، وأنّني لذلك أدين بالكثير للعالم والنّاس. أريد أن أعطي كلّ شيء أمتلكه، وأن أمتلك كلّ ما أستطيع حتّى أعطيه.